( بالنسبة لي، الوجه الإنساني هو أهم موضوع في السينما). إرنست إنغمار برغمان.

في نسيج التعبير الإنساني الواسع، تقف السينما نصبا تذكارياً شاهقا للإبداع والتعاطف والتغيير الاجتماعي، فمنذ بدايتها قبل أكثر من قرن، من الصور الوامضة للعرض العام الأول للأخوين لوميير إلى التجارب الغامرة للمسارح الرقمية الحديثة، تطورت السينما لتصبح وسيلة قوية لسرد القصص، والتبادل الثقافي، والتأمل الجماعي، باعتبارها العدسة التي ترى الإنسانية نفسها والعالم من خلالها، توفر السينما نافذة على تعقيدات التجربة الإنسانية، وتدعو الجماهير لاستكشاف أعماق العاطفة، وتعقيدات الهوية، والحقائق العالمية التي تربطنا معًا.

السينما، في جوهرها هي رواية القصص التي تنبض بالحياة، من خلال التفاعل بين الصور والصوت والسرد، إذ يتمتع صانعو الأفلام بالقدرة على نقل الجماهير إلى أراضٍ بعيدة، وفترات زمنية مختلفة، وحقائق بديلة، كما يرى ذلك المخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو: "السينما عبارة عن فسيفساء مصنوعة من الزمن". إذ يضيف كل فيلم قطعة أخرى إلى فسيفساء التجربة الإنسانية الآخذة في الاتساع، مما يثري فهمنا للعالم والأشخاص الذين يعيشون فيه.

وإن واحدة من أعظم نقاط القوة في السينما تكمن في قدرتها على تعزيز التعاطف والتفاهم، بينما يشهد الجمهور انتصارات وكفاح الشخصيات على الشاشة، فإنهم مدعوون للوقوف في مكانهم، لرؤية العالم من خلال أعينهم، بمثابة مرايا. كما يصف ذلك المخرج مارتن سكورسيزي: "السينما هي مسألة ما يوجد داخل الإطار وما يخرج منه". من خلال فن التأطير والتركيب، يستطيع صانعو الأفلام إثارة استجابات عاطفية قوية، مما يخلق إحساسًا بالارتباط بين المشاهد والقصة التي يتم سردها. حيث عرّضت وجهات نظر ولغات وعادات متنوعة من جميع أنحاء العالم.

تتمتع السينما بالقدرة على تضخيم الأصوات التي غالبًا ما يتم تهميشها أو إسكاتها في الخطاب السائد. فكانت على وجه الخصوص، بمثابة أدوات قوية، حيث سلطت الضوء على القصص غير المروية والأصوات المهمشة من الأفلام الرائدة مثل "Moonlight" و"Parasite" إلى صانعي الأفلام الرائدين مثل Ava DuVernay وAlfonso Cuarón، إذ أصبحت السينما منصة للمجتمعات الممثلة تمثيلا ناقصا لمشاركة قصصهم وتجاربهم مع العالم، على نقل الجمهور إلى خلفيات وثقافات وتجارب مختلفة، من خلال غمر المشاهدين في قصص مقنعة، تعمل على تنمية التعاطف والتفاهم، وسد الفجوات وتعزيز الشعور بالإنسانية المشتركة.

وعلى مر التاريخ، لعبت السينما دورًا محوريًا في قيادة التغيير الاجتماعي وتحدي الوضع، وإثارة المحادثات، وإلهام العمل الجماعي، بدءًا من نضالات الحقوق المدنية في الستينيات وحتى حركة #MeToo اليوم، ومن الأفلام الوثائقية الرائدة لرواد مثل دزيجا فيرتوف وليني ريفنستال إلى الروايات الثورية لصانعي الأفلام مثل سبايك لي وكاثرين بيجلو. مضمار حافزًا للحوار، ورفع مستوى الوعي حول القضايا الاجتماعية المهمة والأحداث التاريخية والحركات الثقافية، وللتعبير عن العالم من حولنا وتفسيره، برؤية الواقع من خلال عدسات مختلفة، ووجهات نظر ورؤى فريدة في مختلف جوانب الحياة.

وبينما نقف على أعتاب حقبة جديدة في السينما، تتميز بالتقدم التكنولوجي وتقنيات رواية القصص المتطورة، فمن الضروري أن نستمر في تسخير قوة الوسيط لتحقيق تأثير اجتماعي إيجابي، سواء من خلال تجارب الواقع الافتراضي، أو رواية القصص التفاعلية، أو العوالم السينمائية الغامرة، فإن إمكانات السينما لإلهام البشرية وتثقيفها وتوحيدها لا حدود لها، وهذا مدخلاً لفهم واقعية المخرج الأسطوري أندريه تاركوفسكي: "هدفي هو صناعة أفلام تساعد الناس على العيش، حتى لو كانت تسبب لهم التعاسة في بعض الأحيان".

في الختام، السينما ليست مجرد شكل من أشكال الترفيه، بل هي قوة تحويلية لديها القدرة على تشكيل القلوب والعقول والمجتمعات. وبينما نواصل استكشاف الإمكانيات التي لا حدود لها للوسائط، دعونا نتذكر كلمات المخرج الرائد جورج ميليي، في عبارته الشهيرة: "السينما هي السحر في أنقى صوره".

في الواقع، السينما سحر لديه القدرة على تنويرنا وإثرائنا وتمكيننا جميعًا بطرق لا حصر لها، حيث أثرت الوجدان، وعززت التعاطف، وشكلت فهمنا للعالم، متاح إلينا فرصه لتشكيل إطار مستقبلنا الجماعي وبناء عالم يعكس أفضل ما في الإنسانية.