ما من بقعة في هذا العالم إلا وتحمل بصمة أصابعي، وآثار أقدامي مطبوعة على ظهور ناطحات السحاب، مثلما تتبدى نعومتي في المعان الأحجار الكريمة. إيميه سيزار

كل واحدة من الكلمات الأربع في عنوان هذه الملاحظات تقيم في حقل مضطرب وعاصف بعض الشيء. فعلى سبيل المثال، يبدو من المحال اليوم أن تتذكر زمناً لم يتحدث فيه البشر عن أزمة التمثيل Representation. وبقدر ما تحلل الأزمة وتناقش، بقدر ما يتجلى قدم أصولها. الفكرة التي توافرت في أعمال مؤرخي أدب من أمثال إيرل وسرمان Wasserman وإريك أورباخ Auerbach وم . ه ابرامز Abrams ، تلك القائلة بأن اهتراء الإجماع الكلاسيكي ترافق مع توقف الكلمات عن احتواء وسيط شفاف يتيح جلاء الكينونة»، طرحت على نحو أكثر فعالية وجاذبية في محاججة ميشيل فوكو.

عوضاً عن ذلك انبثقت اللغة، بوصفها جوهراً عالماً مجرداً وعصياً على الإدراك، لتصبح موضوعاً

للاهتمام الفيلولوجي وتحيد وتكبح أية محاولة لتمثيل الواقع بوسيلة المحاكاة.

وهكذا، في عصر نيتشه وماركس وفرويد، لم يعد بوسع التمثيل الاكتفاء بوعي الأشكال والمواصفات اللسانية، بل تعداها إلى ضغوطات تلك القوى العابرة للشخصي والإنساني والثقافي مثل الطبقة واللاوعي والجنس Gender والعرق والبنية، التحولات التي أدخلها ظهور هذه القوى على فكرة سبق أن حملناها عن المؤلفين والنصوص والموضوعات، ليست الآن قابلة للاستبصام - بالمعنى الحرفي ومن المؤكد أن النطق بها لم يعد ممكناً. تمثيل امرى، أو شيء ما بات اليوم محاولة لا تقل تعقيداً وإشكالية عن تشخيص العوارض المرضية، فانطوى على عواقب الوثوق والجزم وما يكتنفهما من صعوبات واسعة جمة.

ولكي أتحدث الآن عن ثاني المصطلحات الأربعة أقول إن فكرة المستعمر تطرح الطراز الخاص

بها من التقلب والتغاير. قبل الحرب العالمية الثانية كان المستعمرون هم أولئك القاطنين في عالم غير

أوروبي وغير غربي سبق أن سيطر عليه الأوروبيون واستوطنوه بالقوة. وفق ذلك، وضع كتاب البير ميمي

Mommi المستعمر والمستعمر في عالم خاص له قوانينه ومواقفه، مثلما تحدث فرانز فانون في (معذبو

الأرض)، عن المدينة الاستعمارية المنقسمة إلى نصفين منفصلين، يتواصل أحدهما مع الآخر بمنطق

العنف والعنف المضاد، وحين أخذت (أفكار الفرد سوفي عن العوالم الثلاثة صيغة مؤسسة في

النظرية والتطبيق بات المستعمر مرادفاً لـ (العالم الثالث).

بيد أن الحضور الاستعماري للقوى الغربية تتابع في أجزاء مختلفة من افريقيا وآسيا، في حين نالت مناطق عديدة من القارتين استقلالها خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية أو نحوها. بذلك لم يكن المستعمرون جماعة تاريخية أحرزت سيادتها الوطنية ثم انحلت بالنتيجة، بل كانوا مقولة يدخل في عدادها سكان الدول حديثة الاستقلال والشعوب الخاضعة في المناطق المحاذية التي ما يزال الأوروبيون يستوطنونها. ولقد بقيت العنصرية قوة هامة ذات آثار إجرامية على الحروب الاستعمارية وفي السياسات الجامدة المتصلبة. تجربة الخضوع للاستعمار أخذت بالتالي، تدلل بمقدار كبير على تلك المناطق والشعوب التي لم تنته تجربتها في التبعية والتابعية والخضوع للغرب حين رحل آخر رجل شرطة أبيض وأنزل آخر علم أوروبي على حد تعبير فانون. واقعة حدوث الاستعمار أخذت تعني قدراً يرتب نتائج مديدة وعبثية غير عادلة، سيما بعد تحقيق الاستقلال الوطني، الفقر، التبعية، التخلف مختلف أعراض السلطة والفساد، فضلاً عن المآثر الكبرى في الحرب والأمية والتنمية الاقتصادية. هذا المزيج من الخصائص رسم صورة الشعوب المستعمرة التي حررت نفسها في مستوى أول، لكن بقيت ضحية ماضيها في مستوى آخر). منذئذ، وبمعزل عن تحولها إلى علامة توسل وإشفاق، اتسعت مقولة والمستعمرة بشكل ملحوظ لتشمل النساء والطبقات الخاضعة والمضطهدة، والأقليات القومية وحتى تلك الحقول المهمشة والأكاديمية المفرطة في خصوصيتها تنامى حول المستعمر معجم بأسره من العبارات تشدد كل واحدة منها، بطريقتها، على الثانوية القاتلة لشعب كتب عليه أن يستخدم الهاتف لا أن يخترعه كما سخرف. س. نايبول Naipaul .

1978*

* ناقد وأكاديمي فلسطيني/ أمريكي «1935 - 2003»