غرد الدكتور إياد بن عبيد مدني على حسابه «الشخصي» بـ«تويتر» ما يشبه «المانيفستو ضد الديمقراطية»، ونصه: «دعا الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى مؤتمر يضم الدول التي تصنفها أمريكا كدول ديمقراطية، في سعي لتكريس مكانة وتحالفات أمريكا، وهذا بالطبع شأن أمريكي، إلا أن من المهم أن نتنبه إلى أن الديمقراطية هي نظام حكم، وليست قيمة أخلاقية، وأن الذي يمارس الآن هو الليبرالية الديمقراطية». وأضاف: «الغلاف السحري من المثالية، وامتلاك قيم المدنية والحضارة، الذي تحيط به الليبرالية الديمقراطية نفسها، ينسينا أنه في أمريكا الديمقراطية شرعت العنصرية، وفي الهند الديمقراطية غلبت الهندوسية المتطرفة، وفي إسرائيل بالديمقراطية أصبح الاحتلال والاضطهاد ووطء الحقوق مذهبا للدولة». وزاد: «إن أنظمة أوروبا الديمقراطية هي التي استعمرت ونكلت بالشعوب في أفريقيا وآسيا والبلاد العربية، وهي التي أشعلت نار حربين كونيتين في القرن العشرين، راح ضحيتهما ملايين البشر. كما تمخضت عن النازية والفاشيستية، وفظائعهما في بعض مجتمعاتها». وختم بقوله: «أما قيم العدالة والحرية والمساواة وحرية التعبير، والحق في الملكية والأمن والأمان والتعليم، فهي قيم وحقوق إنسانية تنشغل بها كل المجتمعات والأديان وأنظمة الحكم، وليست وليدة الديمقراطية دون غيرها، وإن كان للديمقراطية قيم تخصها، فلعل أبرزها الإغراق في الفردانية والنسبية في الأخلاق».. انتهى. وعليه، فنحن نكتفي بهذا التعريف/التعرية، لكن هل هذا يكفي، أم نبني على ذلك محاولة سريعة لتفكيك «هذا الإجراء الأمريكي»، وفق معطيات الواقع السياسي «المستقبلي»؟. لنأخذ تفاصيل الخبر بشكل مبتسر: «وجه الرئيس الأمريكي إلى قادة نحو 110 دول دعوة، للمشاركة في قمة افتراضية حول الديمقراطية، وضمت خصوصا، إلى جانب حلفاء بلاده الغربيين، دولا مثل العراق والهند وباكستان وإسرائيل. كما وجهت دعوة إلى تايوان، لحضور القمة، مما يثير حفيظة الصين، ولم تدع الصين ولا روسيا. كما خلت قائمة الدول المدعوة من تركيا، حليفة أمريكا في حلف شمال الأطلسي، ودعا جو بايدن البرازيل، على الرغم من أن قائدها السياسي رئيس يميني متشدد، وتمت دعوة بولندا، المتهمة من الاتحاد الأوروبي بعدم احترام دولة القانون. أما القارة السمراء، فضمت القائمة منها كلا من جنوب أفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا والنيجر».. انتهى.

ما الذي يعنيه كل هذا؟ ولم الانشغال بما تقرره أمريكا، والكل يعلم أن الشرق الأوسط يعاني حتى الآن «أعراضا انسحابية» لما يمكن تسميته «إدمان الوجود الأمريكي»؟.

باختزال شديد، يمكننا قراءة هذا المؤتمر، بقيادة أمريكا، بأنه التفاف سبق أن رأينا ما يشبهه من قبل. لنحرك الذاكرة، ولنحفر في أضابير التاريخ: هل هذه محاولة أمريكية لصناعة ـ إذا جاز التعبير ـ «كومنولث أمريكي» كبديل لحالة الانسحاب، من خلال «تجريب وتعديل النموذج» وفق ما يظهر من معطيات قادمة، لاستقطاب دول أكثر؟.


في المنطقة العربية، سارت أمريكا خلال عقود وفق أضابير جدتها العجوز «بريطانيا»، وها هي تسير على خطاها في محاولة إيجاد «كومنولث» يخص معطيات انسحابها حول العالم، وكما فعلت فرنسا فيما سمي «الفرانكفونية»، ليبقى السؤال الحرج: هل «الوطن العربي» يدرك حقيقته في أنه «عالم عربي»، لكل دولة فيه همومها «غير المشتركة نهائيا» مع غيرها من بقية الدول، وأن هموم العراق على جميع الأصعدة لا علاقة لها بهموم موريتانيا؟. وكما أن زمن «الحرب الباردة الأولى» قد ولىَّ بكامل حمولته «التعبوية» مع بقاء محاولات السلامة منه (دول عدم الانحياز)، فإن المطلوب ليس «إعادة تعريف الديمقراطية أو كشف تاريخ ملابسها الداخلية في أوروبا وأمريكا»، لأن بعض الدول في الشرق الأوسط لم تعرف ثقافة «الملابس الداخلية» أصلا بقدر ما هي تعيش ثقافة «القطعتين/إزار ورداء فقط»، ولا تبالي بانكشاف عورتها بين حين وآخر. ولهذا، فالمقال بقدر ما يؤيد التعريف/التعرية، التي قام بها الدكتور إياد مدني، لكنه في المقابل يدرك مثلا أن بعض الزعماء العرب قد عاشوا حياتهم السياسية في قيادة بلدانهم وفق حياة «الإمبراطور العاري» في قصة الكاتب الدنماركي هانس أندرسن.

وعليه، فما يهم هو الانشغال بما يصلح للدولة المدنية الحديثة في منطقتنا العربية دون أي أيديولوجيات قديمة، لن تخدم واقعها «المدني الحديث»، فانقلابات «العسكريتاريا» العربية، التي يتوهم البعض أنها موجودة كما هي في منتصف القرن الماضي، لم تعد موجودة لا في مصر ولا حتى في سوريا، فبشار، بعد كل ما حصل، لم يعد بشار ابن «حافظ الأسد»، بل بشار ابن «التوافقات الضرورية للتماسك في حده الأدنى»، وأي محاولة ترميم لا يمكنها إعادة عقارب الساعة للوراء، فالواقع العربي الحالي يعيش مخاضا حقيقيا للانتقال من دولة «السلطة»، التي تستمد شرعيتها من «الإقرار بالغلبة والقهر»، إلى سلطة «الدولة»، التي تستمد شرعيتها من «الإقرار بالحاجة والضرورة»، حيث إن النخبة السياسية العربية تعلمت أن «الإقرار بالغلبة والقهر» ليس شرعية مجدية في جيل جديد «معولم تماما»، يشارك في وسائل التواصل بالمتابعة، والرد على حسابات تخص الرموز السياسية للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. وحتى من لا يعرف اللغة، تقوم «قوقل» ووسائل التواصل بالترجمة الفورية له، بإمكانات «معرفية ومعلوماتية» لم يتمتع بها رؤساء دول عربية قبل عقود، فهل فعلا تجدي شرعية الإقرار بالغلبة والقهر لدولة «السلطة» على مدى عقد قادم وليس عقدين، أم أن الهرولة تستوجب تعزيز مفهوم شرعية الإقرار بالحاجة والضرورة لسلطة «الدولة»، وما يستتبع ذلك من «العدالة والحرية والمساواة وحرية التعبير، والحق في الملكية والأمن والأمان والتعليم»؟. إنه الفرق البسيط العميق بين «دولة الأفراد»، التي تنجب «دولة السلطة» و«دولة المؤسسات»، التي تخرج من رحمها «سلطة الدولة»، ويا ليت الأمر يقتصر على «بلاغة لغوية» بقدر ما تحت هذه العناوين تكمن مواجع العالم العربي في دروس، آخرها «السودان»، وقد ملت الشعوب العربية «دروس الحلاقين في رؤوس الأيتام».

هل كاتب المقال مبالغ في التشاؤم؟. ليس متشائما بقدر ما يشعر «مثل غيره» بمدى التغيرات «السريعة والمطلوبة»، للحفاظ على كيانات المنطقة العربية من تبعات الأعراض الانسحابية لإدمان «الوجود الأمريكي»، ونشوء نظام عالمي «متعدد الأقطاب»، والإشكال يكمن في الشعرة التي يمسكها السياسي العربي ما بين الركض بالوعي الشعبي إلى مستوى المصالح العليا للدولة والابتعاد عن إرث ثقيل ومنهك من سياسة «الاقتصاد الريعي القائم على النفط، أو شبه الريعي القائم على المعونات الدولية وتحويلات المغتربين»، بالإضافة إلى أيديولوجيا «الإسلام السياسي»، وغيرها في زمن «سقوط الأيديولوجيات».