لست أدري من الذى أدخل تعبير «الأصالة والمعاصرة» في حياتنا الفكرية، فقد كانت المشكلة نفسها معروفة ومطروحة أمام جمهور المثقفين منذ القرن التاسع عشر، وكانت مجادلات الرواد المحدثين من مفكري العرب حول الموقف الذي ينبغي أن نتخذه من التراث الماضي، ومن علوم العصر تنتمي إلى صميم هذه المشكلة.

ومن المؤكد أن استمرار مناقشة المشكلة نفسها حتى اليوم، واستمرار التساؤل عما ينبغي أن نأخذه من أسلافنا، وما ينبغي أن نقتبسه من معاصرينا، واستمرار الخلاف بين مدارس تعبر عن نفس المواقف التي اتخذها أجداد روحيون لنا منذ أكثر من قرن من الزمان -هذا الاستمرار هو ذاته علامة من علامات الاعتلال، لا الصحة العقلية.

ففي الوقت الذي ظللنا خلاله نتجادل حول ما نأخذ، وما نقتبس، وما نتخلى عنه أو نرفضه، وما يلائم ظروفنا وما يتنافى مع أوضاعنا، أو أخلاقنا أو عقيدتنا- في هذا الوقت كانت أوروبا قد انتقلت من عصر الخيل إلى عصر الصواريخ، ومن طاقة الفحم إلى الذرة، وكانت اليابان قد تحولت من بلد شرقي منسي متخلف إلى أكبر منافس لأعظم القوى الصناعية في العالم.


لأن المفروص أن تحسم المشكلة منذ وقت طويل، وأن ننتقل من الحسم النظري إلى الفعل، وحتى لو عجزنا عن حسمها فقد كان الواجب ألا نحصر أنفسنا في إطارها طوال أكثر من قرن كامل، تغيرت خلاله البشرية بأكثر مما تغيرت منذ ميلاد المسيح، ومع ذلك ظللنا ندور في نفس الحلقة، ونحصر أنفسنا في نفس الإطار، ونتصور أن حل مشكلاتنا الحية الملحة التي تستصرخنا من كل جانب، ينبغي أن يظل معلقًا حتى نجيب عن هذا السؤال الأساسي، وبعدئذ من خلال الإطار الذي سنستقر عليه.. «إذا قدر لنا يومًا ما أن نستقر»، سيصبح من الميسور أن نحل كل شيء.

وإحقاقًا للحق فإن طرح المشكلة، طوال الفترة التي تزيد على قرن من الزمان، لم يكن حدث بطريقة واحدة، ولم تكن كل مرة أثيرت فيها المشكلة صورة طبق الأصل من الأخرى.

فقد كادت مشكلة المواجهة بين القديم والجديد تثار كل مرة فى ظروف مختلفة، ويعاد طرحها من خلال منظورات مختلفة، واستجابة لمواقف متجددة، فهي تثار تارة في مواجهة العلم الأوروبي المكتشف حديثًا، أو مواجهة نظريات علمية معينة، «كنظرية التطور مثلا» صدمت العقل الشرقي الإسلامي، وحفزته إلى مراجعة موروثات كثيرة.

1980*

*أكاديمي مصري متخصص في الفلسفة «1927-2010»