لنحاول قراءة المشهد في العالم العربي خارج السردية (التعبوية) لإعلام وإعلام مضاد، ولنبدأ بقراءة الواقع العربي الذي كان يضج بمشاريع (أيديولوجية) لها دواعيها المتعلقة بنشأة بعض دول المنطقة وتحررها من الاستعمار، فمن القومية (الناصرية) إلى (البعثية)، ولن نشير للحركات الشيوعية لأنها كانت قفزة حالمة على الواقع وإمكاناته، مما جعل العقلاء يبتسرونها في نطاق (الاشتراكية).

قابل هذه الدعاوى (التحررية) دعوى (إسلامية) ليست مشغولة بقضية (التحرر الوطني من المستعمر) بقدر ما هي مشغولة بقضية (الحاكمية)، كاستعادة قسرية لتاريخ (الخلافة الإسلامية) الممكنة قبل الحرب العالمية الأولى، رغم استنفاد (الخلافة الإسلامية) لإمكانياتها (التعبوية) منذ ظهور حركات تحرر على نوعين (عقائدية وقومية) من الهيمنة العثمانية.

امتزجت أدبيات (سيد قطب) مع فوران (يساري) إيراني، ليجمع مشروع ولاية (الفقية الشيعي) هذين الخطين في خط (الخمينية) لتتصدر المشهد الإيراني.


(الخمينية) هنا ليست دعوة طائفية بقدر ما فيها من دعوى (نصرة المظلوم على الظالم)؛ ليصبح (الحسين بن علي بن أبي طالب) ممثلاً لكل المظلومين، وأنصاره هم أنصار الحق والعدل على كل (الظالمين)، فالبعد الخطير في الخمينية ليس (الاستغراق في تفاصيل عقائدية/‏طائفية) بقدر ما فيها من استغراق لصراع المظلومين على الظالمين، مستبطناً كل الأدبيات الماركسية في (صراع الطبقات)، واصطفافاً مع (المظلومين/‏البروليتاريا) ضد (الظالمين/‏الرأسمالية)، فكأنما عمامة ولحية الخميني تخفي وراءها مزيجاً من أدبيات سيد قطب مع لينين وتروتسكي، وذلك ناتج عن محاولة التناغم مع الواقع (اليساري) الثائر على (شاه إيران) إبان تحالفه مع الغرب، متجاهلاً جاره (السوفياتي)، كاستقطاب عالمي جعل كثير من مفكري اليسار الغربي يصطفون مع الثورة الخمينية، وتبعهم في ذلك بعض كبار المفكرين العرب (آنذاك).

إذن فجمهورية إيران تقف على أكتاف مشروع (ثوري)، له صبغة دينية (صراع المظلوم والظالم) ممتزجاً بأيديولوجيا (يسارية/‏ صراع الطبقات)، ولعل هذا يفسر اصطفاف كثير من (اليسار العربي) مع (المشروع) الخميني، وبقي علينا قراءة مشروع «العثمانية الجديدة: وهي أيديولوجيا سياسية تركية تروج في معناها الواسع للارتباط الأكبر بالمناطق التي كانت سابقاً تحت حكم العثمانيين» عبر معتنق هذه الأيديولوجيا (حزب العدالة والتنمية/‏إخواني النشأة) من خلال عرض سريع لبعض عناوين فصول كتاب أحمد داوود أوغلو (رئيس حزب العدالة والتنمية سابقاً ورئيس وزراء ووزير خارجية سابق) صدر الكتاب قبل عشرين عام (2001م) بعنوان (العمق الإستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية).

ومن ضمن فصول الكتاب: (مرحلة ما بعد الحرب الباردة وساحات الفراغ الجيوسياسي)، وفصل: (الشرق الأوسط: الحديقة الخلفية التي لا غنى عنها)، وأخيراً العنوان المهم المؤلم: (التوازن الداخلي للعالم العربي، أزمة القومية العربية ومسألة الشرعية السياسية) ص 396، وفيه من تعرية الواقع العربي ما يستفز الوجدان ويشعر النخبة العربية بالعار.

إذ تظهر أزمة الواقع العربي من خلال معطيات لا يسع المقال لذكرها، مع اعترافه بأن النزعة القومية العربية ممثلة في مصر هي أخطر ما يقوض مشروع (العثمانية الجديدة) إذ يقول: «يحمل الوضع الذي سينتج عن تصاعد تيار القومية العربية المدعوم من قبل القوى المركزية في النظام العالمي، بداخله مخاطر بالغة الأهمية بالنسبة لسياسات تركيا الإقليمية....».

لكنه في سياق آخر يصل إلى نتيجة (غير مباشرة) يستطيع القارئ أن يلخصها في عبارة لم ترد في الكتاب، مفادها أن الدول العربية فشلت حتى الآن في إيجاد أرضية سياسية مناسبة لظهور (مواطنة الانتماء)؛ لأنها مازالت تعيش وفق معطيات (رعايا الولاء)، وهذا ما يخلق أزمة (صراع الكاريزما) بين الزعامات السياسية في الوطن العربي، عاجزين -كما يقول- عن إيجاد تعاون مثمر في حده الأدنى يمكن الإتكاء عليه في (مشروع عربي موحد).

باختصار هناك مشروعان إقليميان لاختراق العالم العربي، مشروع (الخمينية)، ومشروع (العثمانية الجديدة)، وأما (الإخوان المسلمون واليسار العربي)، فليسا إلا (حطب) يتقاسمه المشروعان المشار لهما، لإشعال حرائق العالم العربي، أما (الإسلام السلفي) فلا يوجد له مشروعية، ومشروع على صعيد (المشاريع السياسية الكبرى)؛ لأنه يعيش إحدى حالتين لا ثالث لهما طيلة تاريخه منذ (دعاء ابن حنبل لمن سجنه وجلده، مروراً بفتنة الحنابلة في بغداد)، فإما طاعة عمياء (لمن غلب)، أو خروج أعمى عليه ولا شيء آخر، (كانوا مع مبارك في مصر ثم أصبحوا مع مرسي ثم أمسوا مع السيسي) ولا شيء آخر.

والوحيد على مستوى العالم الإسلامي -فيما أعلم- استطاع ممارسة السياسة بصفته (عربي مسلم) دون الوقوع في أيديولوجيا (الإسلام السياسي)، هو صاحب العبارة الشهيرة في وجه (الإخوان المسلمين): «كلنا إخوان وكلنا مسلمون»، كعبقرية فطرية تفكك كل أيديولوجيا دينية تحاول اختراق (العربي المسلم) ليتحول إلى (إسلامي عَطِن).

النتيجة والرأي: هناك عبارة مشهورة في عالم السياسة تقول: «الفعل إستراتيجية، وردة الفعل سياسة»، ومعظم الترافعات الموجودة في الساحة العربية ليست سوى ردات فعل سياسية لأفعال قام بها أصحاب مشاريع (إستراتيجية)، ويبقى على (الدول العربية) بلا استثناء، فحتى أقصى المغرب العربي وصلته هذه المشاريع، نقول: يبقى على الدول العربية إعادة تعريف نفسها والبحث عن أرضية لشرعيتها أكثر صلابة من إطار (الكاريزما) المنتج لرعايا (الولاء)، فالقرن الحادي والعشرين لا يعترف إلا بمرحلة (مواطنة الانتماء) المتكئة على (دولة القانون والمؤسسات).

وأخيراً هناك الأثافي الثلاثة التي ترتكز عليها قوة الدولة وباختفاء أحدها، لا قيمة لأي دولة ولو كانت بحجم وإمكانيات الولايات المتحدة الأمريكية، والثلاثة هي (الأهداف الإستراتيجية، الإرادة الوطنية، القدرة الدبلوماسية)؛ ولهذا فسنجد الفرق واضح بين (دول تكتيكية) و(دول إستراتيجية)، وتظهر هذه الفروق أكبر وأكبر على (المدى الطويل) في جدلية التاريخ.