وتبدأ بعدها تراكمات الأساطير التي تتحول مع نمو هذا الطفل إلى أنماط فكرية تعيش أنساق (استرضاء الطبيعة)، بخلاف (العقل الحديث) الذي يبدأ تلقي أولى جرعات المعرفة (النقدية) بانفتاح الأبوين على الأسئلة الوجودية الكبرى دون قمعها بابتسارات تعيد العقل الناشئ إلى حكاية (احذر السعلاة) بألوان وصور مختلفة، وصولاً إلى رغبة هذا (العقل الحديث) في السيطرة على الطبيعة وليس استرضاءها.
(العقل المثقف) يختلف عن (العقل الأكاديمي) في أنه يدرك تماماً أن الالتزام الأكاديمي (المحض) ليس معرفة وإنما سلطة، ولهذا ينسب إلى (ميشال دو سرتو) في أن: (النزوع السلطوي أبشع شيء يتميز به الباحث؛ لأن في السلطة المعرفية مقتل المعرفة بالذات، هو انهيار لإرادة الفضول والبحث والسبر)، وانشغال بالسلطة المعرفية في ذاتها، مما يصنع أخطاء تشبه سلطة الطبيب في جمع الأدلة من أعراض المريض التي تؤيد تشخيصه الخاطئ للمرض، عاجزاً عن ممارسة النظر الطبي كحالة موضوعية تستطيع اكتشاف (حمى الضنك)، مثلاً كحالة أولى للمريض دون خلطها بأي عرض مرضي متكرر.
(العقل المثقف) تكمن قوته في مجموع قراءاته المتنوعة شبه (الموسوعية)، لا ليصنع قوالب من الإجابات الجاهزة، بقدر ما يصنع إعصاراً من الأسئلة التي تقتلع (قوالب الإجابات الجاهزة)، فالعقل المثقف ليس إجابة في (افعل ولا تفعل)، بل سؤال دائم في وجه كل (افعل ولا تفعل)، إن (العقل المثقف) عقل يعيش بشكل مقدام وشجاع أساسيات التفكير النقدي المتمثلة في (النزاهة الفكرية، التواضع الفكري، الثقة بالمنطق، الشجاعة الفكرية، التعاطف الفكري، الاستقلال الفكري، المثابرة الفكرية).
ولهذا فمن غير المجدي أن تقرأ بحثاً أو كتاباً يتحدث عن التفكير وفق منطق (افعل ولا تفعل) لتضيع فصول الكتاب أو البحث في ثنائية تقليدية تصف التفكير وفق معطيات (افعل ولا تفعل)، بينما التفكير لا يقبل أنصاف الحلول، فإما أن تفكر أو لا تفكر، كقولنا تماماً (إما أن ترى أو لا ترى)، ولا يوجد وصفات تعطيك حقيقة ما ترى دون تجريب موضوعي يعيد اللغة إلى نصابها بجوار الواقع، لعلك تنجو من الأوهام الأربعة لفرانسيس بيكون: (وهم الكهف، وهم القبيلة، وهم المسرح، وهم السوق).
فالسعلاة إن لم ترها فهي قطعاً من مجال (الخيال) الذي يستجلبه الخوف لا أقل ولا أكثر، وأكثر من يستثمرها (الساحر/الديماغوجي)، وما أكثر السحرة/الديماغوجيون، ويمكن اعتبار (السعلاة) في أقصى حالات ربطها بالواقع أنها رمزية لكل المخاطر التي قد تواجه (الطفل/قليل الحيلة) خارج المنزل ليتم دمجها تحت عنوان لا علاقة له بالواقع إسمه (الميتافيزيقا) ويبقى من المضحك أن يكبر الطفل وتكبر معه حكايا السعلاة تحت عناوين وأنماط أخرى.
لا يجتمع (التفكير الحر) مع (الخوف) في جمجمة واحدة، ولكن قد يجتمع الخوف مع ما يشبه التفكير الحر، فتراه في نتاج كل (العلوم المزيفة) التي تستخدم مصطلحات علمية حديثة لتؤدي نتائج متخلفة تؤكد وجود السعلاة في حياتنا وسيطرتها التامة عليها.
هل يمكن أن نعيش محاولة التفكير الحر بدون إرشادات، كما عاشها حي بن يقظان في رواية ابن طفيل، الذي رضع من الظبية ثم كبر واستطاع الوصول إلى الفهم الإنساني بدون أفراد أو كتب تقول (افعل ولا تفعل)، لعل قراءة هذه الرواية الصغيرة جداً المسماة (حي بن يقظان) لابن طفيل تعتبر طريقاً أولياً لمعنى التفكير الحر وصولاً إلى ما بعدها، فمن فهم الإشارات الضمنية داخل الحكاية فربما لديه ملكة التفكير الحر، ومن لم يجد سوى سرد ممل، فلا يشغلن نفسه بالسؤال الفلسفي وبقضية (التفكير الحر) الذي لن يسمى تفكيرا بدون اليورانيوم المخصب للتفكير الحر وهو (الشك) ثم الشك ثم الشك.. فمن لا يشك في مسلماته الأولى التي ترسبت في طفولته لن يصل إلى أي منطقة بكر من مناطق التفكير، وتبقى الكتب (الحقيقية) مجرد إضاءات لاستخدام العقل التي أشرنا لها في أساسيات التفكير النقدي.
أما كتب (افعل ولا تفعل) فيمكن وضعها بكل ثقة وبدم بارد بجوار أي كتيب صغير تجده مع ثلاجتك الجديدة أو تلفازك الجديد كدليل استخدام/كتالوج، ومن الحماقة اعتبار هذا الكتيب الإرشادي/الكتالوج لافعل ولا تفعل، كتاب مهم في صناعة التليفزيون مثلاً، لأن صناعة التليفزيون تحتاج كتباً ليس فيها افعل ولا تفعل، بل فيها تجريد خالص في الفيزياء والرياضيات والكيمياء، ومن الجهل الفظيع المغالطة فيها متجاهلين (تاريخ العلوم) وصولاً إلى جهاز ينقل لك بالصوت والصورة أحداثاً في أقصى الأرض، وأقصى ما تستطيعه تجاه هذا الاختراع هو قتل دهشتك وذكائك بتكرار تعويذة تقيك (الفتنة بالغرب ومخترعات الغرب).
فعن أي فتنة واستلاب يتحدث أحفاد حكايا السعلاة، وهل الطريق الوحيد للوقوف ضد ما يسموه (الاستلاب الحضاري) هو في الدفاع عن أساطير السعلاة، على اعتبار القطيعة المعرفية مع (السعلاة) مجازفة وتطرف؟! لا يا سادة.. القطيعة المعرفية تعني التخلص من (الخوف) فقط، الذي نشأنا عليه في (احذر السعلاة) ولتبقى السعلاة حالة تاريخية نعرفها ضمن كتاب التاريخ الثقافي الخاص بنا، أو فلتكن ضمن دراسات (الميثولوجيا) التي نزايد بها على كتاب (الغصن الذهبي) لفريزر دون أي استلاب أو قلق على الهوية.