ولهذا فإن أي قراءة للوضع الأفغاني بعد خروج القوات الأمريكية باعتبارها مؤامرة أمريكية جديدة، أو خطة ذكية من أمريكا... الخ من إعطاء أمريكا دورا خارقا للمألوف يشبه خرافة الماسونية عند الإسلاميين، يعتبر خارجاً عن الاستقراء الطبيعي للأحداث، فما هو الإشكال في النظر للأمور على طبيعتها البسيطة من أن تغير موازين القوى في العالم في تضاؤل دور القطب الواحد، أدى إلى فشل أمريكا في أفغانستان مع إرهاق ميزانيتها وخسارتها مليارات الدولارات خلال عشرين عاما تقريباً، مع تراكم إشكالاتها الاقتصادية، مثله مثل فشلها الذريع في العراق، ووقوفها فيما سمي ثورات الربيع العربي مع (الإخوان المسلمون) الذين يشبهون تماماً النخبة الحاكمة في أفغانستان، حيث يُسمِعون أمريكا ما تحب من وعود ديمقراطية وحرية، غافلين عن حقيقة الواقع المتردي لشعوبهم والفساد المالي المستشري بينهم (فليس بصندوق الاقتراع وحده يكون العدل والكرامة)، هذا الصندوق الذي تحول في بعض الدول إلى (صندوق باندورا) بدلاً من أن يصبح صندوق انتخابات لإجماع وطني يستبدل (الرصاصة بورقة اقتراع)، لكن هذه الورقة الانتخابية تحتاج إلى نخبة ثقافية ملتزمة ضد الجهل والتخلف للنهوض بشعبها، وليست نخبة ثقافوية ملتزمة بتثوير الجهلة والمتخلفين ضد دولهم، وهنا فارق عظيم وحقيقي لأصحاب الضمير الإنساني والعقل الرشيد.
نعود للوضع الأفغاني حيث قامت أمريكا وخلال عشرين عاما بمحاولة استئناس طالبان (المتصلبة/العاجزة سياسياً) عبر وسطاء لنجد مكتبهم السياسي (الفاخر) في الدوحة بجوار قاعدة العديد الأمريكية، حتى أخرجت طالبان قيادات تتقن البراغماتية السياسية في حدها الأدنى، وهنا نستذكر طالبان (الملا عمر) الذي لا يجيد سوى (دار الإسلام ودار الحرب) ولا يدرك معنى التحالفات خارج ثنائية (الإسلام والكفر)، وصولاً بعد عشرين عاما إلى الملا برداد أخوند رئيس الوفد الرفيع المستوى عن طالبان، الذي حضر إلى روسيا في الشهر الماضي لحضور مؤتمر موسكو بمشاركة أمريكا وباكستان والصين ووفدي كابول وطالبان.
ويعود اهتمام روسيا بطالبان لأسباب جيوسياسية لمواجهة تنظيم داعش الذي ظهر في أفغانستان تحت اسم (ولاية خراسان) التي تأسست في يناير 2015، وكل هذا يؤدي لارتباط المصالح بين روسيا وطالبان بالإضافة إلى ما ذكرته المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عن مساعدة الولايات المتحدة لداعش في شمال أفغانستان ضد طالبان، حيث أوضحت أنه تم تسجيل ضربات دقيقة من قبل القوات الجوية الأمريكية على مواقع عناصر طالبان الذين خاضوا معارك مع داعش، وكانت النتيجة الطبيعية بالنسبة لروسيا ما أورده موقع قناة الحرة في 2017 على لسان القائد العسكري السابق في حركة طالبان خان محمد شيريك، حيث أكد أن روسيا وفرت دعماً عسكرياً ومادياً للحركة بواسطة «عدة قنوات» على مدار العامين الماضيين ويعني (2015، 2016).
وأخيراً نرجو لأفغانستان أن تتقن خطواتها الأولى نحو حريتها واستقلالها وازدهارها، أما إن أصرت طالبان أن تخطئ خطأ الإخوان المسلمين في أن يكونوا كل شيء في الدولة دون عملية تشاركية تحقق (الإجماع الوطني) ولو في حده الأدنى، فسنعود إما لانقلاب شعبي عليهم يشبه انقلاب الشعوب العربية على الإخوان المسلمين، أو العودة لمربع الحرب الأهلية من جديد، ولعل قرابة عشر سنوات من الوجود السوفيتي ثم قرابة عشرين عاما من الوجود الأمريكي أعطت النخبة السياسية الأفغانية بجميع أطيافها الدروس الكافية للخروج من هذا المأزق، ولنخرج من النظر لأفغانستان بعيون الملا عمر القروسطية ولننظر متفائلين بعيون بني جلدته الذين عرفتهم أفغانستان كلها أمثال حامد كرزاي، وقبل ذلك رائد الفضاء الأفغاني قبل ثلاثين عاما عبدالأحد مهمند، وليتوقف المتباكون على الحقوق المدنية والحريات بخروج أمريكا من أفغانستان، فهذا تباكٍ يشبه تباكي عبيد القصر على أسيادهم ضد ثورة عبيد الحقل، فعن أي حقوق مدنية وحريات يتحدث العقلاء وحقهم في تقرير مصيرهم متروك بيد المحتل، ويقول ريتشارد هولبروك المبعوث الخاص لأفغانستان في مذكراته عن السنوات الأولى من إدارة أوباما إن بايدن قال له بغضب: (لن أقبل بأن يرسل ابني إلى هناك للمخاطرة بحياته من أجل حقوق المرأة الأفغانية... ليسوا هناك من أجل الحرية) نقلاً عن موقع البي بي سي، وقد قرن بايدن قوله القديم أيام أوباما بفعله الآن ليقول في خطابه الأخير يوم الإثنين الفائت (16 أغسطس 2021) إن مهمة الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان «لم تكن بناء دولة أو خلق ديمقراطية مركزية».
ولهذا فإن عبيد القصر يعيشون بملابس نظيفة ويعيشون وفق معايير فاخرة داخل القصر لصالح سيدهم فمتى ثار عبيد الحقل، قام عبيد القصر بالبكاء واللطم لإدراكهم أنهم عاجزون عن امتلاك الحرية بعقولهم وأيديهم، بل يفضلون البقاء عبيداً (بملابس فاخرة) يعطيهم إياها السيد المستعمر، على أن يكونوا أحراراً ينسجون ملابسهم بأيديهم كأول درس اقترحه المهاتما غاندي في الطريق الطويل للتحرر الوطني من المستعمر.