الاستثمار في التعليم الجامعي والعالي هو الاستثمار الفريد بنوعه الذي يعد استثمارًا في الإنسان والمال والمعرفة والاقتصاد وبشكل مستدام. فمن له الاستطاعة لتبني هذه الرسالة بمفهومها العميق، سوف يخلد في ذاكرة الوطن والاقتصاد والمجتمع. حيث يلعب التعليم دورًا جوهريًا في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة الطموحة 2030، لأن التعليم ذا الجودة العالية يلعب دورًا أساسيًا في خلق اقتصاد مزدهر من خلال مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل. إضافة إلى ذلك، سيقوم بخلق مجتمع نشط وطموح بإمكانه تحمل المسؤولية الاجتماعية وعيش حياة كريمة.

إن الاستثمار في التعليم الجامعي لا يعزز التنمية الاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل يوفر أيضًا عوائد إيجابية على المدى الطويل على مستوى كافة الأصعدة. وكما هو ملاحظ في سياسة المملكة، أن التعليم يحظى باهتمام بالغ من خلال التخصيص في ميزانية الدولة السنوية والذي يعد من أكثر القطاعات دعمًا في الميزانية العامة. وعلى وجه التحديد، يُتوقع للتعليم الأهلي في السعودية أن يرتفع إلى أكثر من الضعف خلال السنوات القليلة القادمة، وسبب ذلك يُنسب إلى زيادة عدد السكان المتوقع ومبادرات التعليم الحكومي وتغيير الأفكار الراسخة للمجتمع. والتحديات الرئيسية التي تواجه سوق التعليم الأهلي في السعودية تتضمن جودة المناهج الدراسية وتوفر التخصصات المستقبلية، وجودة توظيف الكادر التعليمي. كل هذه التحديات مقرونة برؤية المملكة والمبادرات الجادة لتظهر حجم الإمكانات الكبرى لمؤسسات التعليم الأهلي الحالية والمستقبلية، خاصة تلك التي تستطيع الجمع بين تحقيق متطلبات التوطين والمميزات الجاذبة للمستهدفين. بوجود استراتيجية مميزة إضافة إلى الفرص الموجودة لمؤسسات التعليم الأهلي، سيكون المجال متاحًا للمستثمرين لدخول سوق يتمتع بالطلب المتزايد للجامعات والكليات الأهلية مع الإسهام في تحقيق مبادرات المملكة لرؤية 2030.

ويتوقع بنك UBS أن التعليم ما بعد الثانوي الهادف للربح استثماريًا سوف يحقق معدل نمو عالٍ خلال السنوات القادمة، وهي المجالات التي يلعب فيها القطاع الخاص دورًا محوريًا. يمكن للمستثمرين في التعليم الجامعي الخاص والأهلي أن يتوقعوا عوائد إيجابية على استثماراتهم، وذلك مع تزايد الاعتراف بقطاع التعليم باعتباره احتمالًا قويًا للنمو الإستراتيجي على المدى المتوسط والطويل، ويجب أن يتم تشجيع المؤسسات المالية على إعادة النظر في عروض منتجاتها للتعليم. وأظهرت دراسة أجرتها شركة ماكينزي أن الاستثمارات في التعليم مؤثرة ويمكن توظيفها بشكل مستدام ويمكن أن تلبي التوقعات المالية للمستثمرين، وأن الجمع بين هذه الصفات هو الذي يجعل الاستثمار في المبادرات التعليمية خيارًا جذابًا للغاية. وعلى الرغم من أن الأرقام قد تختلف وفقًا للمعايير المستخدمة، إلا أنه من المقدر أن يصل حجم سوق قطاع التعليم الخاص بأكمله على مستوى العالم إلى 400 مليار دولار. ولا تستطيع الدول أن تتحمل تكاليف تعليم جميع المؤهلين والراغبين في التعليم، وبالتالي يقوم القطاع الخاص (بدعم من الدولة أو من دونه) بمعالجة هذه الفجوة. وتشير تقديرات أخرى إلى أن سوق التعليم العالمي من المقرر أن يصل إلى 10 تريليونات دولار على الأقل بحلول عام 2030 بسبب المزيج المشترك من التوسع الديموغرافي والتقدم في تقنيات التعليم. ووفقًا لشركة Holon IQ، سيشهد العقد القادم زيادة قدرها 350 مليون خريج بعد المرحلة الثانوية وحوالي 800 مليون خريج في كافة مراحل التعليم مقارنة بالوقت الحالي.


وعلى مستوى المملكة، ذكرت وزارة التعليم في ملتقى الاستثمار الذي نظمته وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان عام 2023، أن حجم عوائد الاستثمار من المتوقع أن تصل عوائدها الاقتصادية إلى 27 مليار ريال خلال السنوات القليلة القادمة في القطاعين الحكومي والخاص. وسوف تكون حصة الاستثمار في التعليم عالية جدًا تقدر بما يزيد عن 5% كما هو متبع خلال السنوات السابقة والذي هو سياسة المملكة بدعم التعليم العام والجامعي والعالي بما يتوافق مع المعايير العالمية، كما أن دخول القطاع الخاص وغير الربحي سوف يكون مدعومًا بقوة مع تقديم تسهيلات استثمارية خلال الحقبة الجديدة من تطوير التعليم في رؤية المملكة 2023. وهذا بسبب التزايد الكبير في عدد الطلبة الخريجين من مرحلة الثانوية والراغبين في دراسة تخصصات نوعية. وذكرت مؤسسة Strategic Gears أن السوق التعليمي الخاص بالمملكة العربية السعودية يقدر بحوالي 5 مليارات دولار في عام 2018 وهو رقم من المفترض أن يتضاعف مرتين أو ثلاثة خلال السنوات القليلة القادمة ليصل إلى ما يزيد على 15 مليار دولار في عام 2025. وبناءً على معدلات النمو الحالية في السعودية، من المتوقع أن تستمر نسبة الارتفاع خلال السنوات القادمة في عدد الطلبة الإجمالي في السعودية بنسبة تقدر بـ 3.5% سنويًا. مما يظهر الحاجة إلى زيادة عدد المقاعد الدراسية في التعليم العام بمقدار 2.1 مليون مقعد في التعليم العام الحكومي والخاص خلال السنوات القادمة لاستيعاب الطلبة الجدد. وهذا يُظهر العدد الكبير المتوقع للدخول في التعليم الجامعي الأهلي السعودي مستقبلًا. وفي عام 2022 تم تقدير حجم الاستثمار الكلي في فروع التعليم ومراحله بـ 5.10% من الاستثمار الكلي بجميع القطاعات السعودية، وسوف يرتفع تدريجيًا خلال السنوات العشرين القادمة ليصل إلى أكثر من 7.5% خاصة في مناطق الرياض والمنطقة الشرقية ومدينتي جدة ونيوم، مع وجود مناطق ومدن واعدة مثل المدينة المنورة والقصيم وعسير وجازان وتبوك، والتي قد تحافظ أو تحصل على حصتها من الاستثمار المتوقع.

وناقش معالي وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في مايو من العام 2023، أثناء عقد مؤتمر جمعية الاقتصاد السعودية عن «التحولات الإستراتيجية في سوق العمل»؛ موضوعًا في غاية الأهمية حول المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل. وأشار إلى أن كثيرًا من التخصصات الحالية لا تخدم الاقتصاد الوطني، حيث لا بد من المرونة العالية في التحول السريع بين التخصصات لمواكبة سوق العمل والاحتياجات بناء على المتطلبات، وهو المعيار الذي يفترض أن تقوم عليه المؤسسات التعليمية الأهلية في المستقبل، فمن له السبق في ذلك سوف يحصد الكثير من المميزات الاستثمارية والتنموية.