هادي اليامي

يعزو كثير من المختصين السبب في بروز ظاهرة التطرف التي لم تكد تسلم منها دولة من الدول إلى غياب ثقافة التسامح وانتشار آفة التعصب، مما أدى إلى وقوع العديد من الأعمال الإرهابية التي يشهدها العالم بين الفينة والأخرى. كما أن تفشي ظواهر الإقصاء والتهميش يؤدي إلى التطرف الذي عادة ما ينتج تطرفًا مضادًا، وهو ما يتسبب في شيوع أجواء من عدم الاستقرار.

وقد ابتليت بلادنا كغيرها من دول العالم في مرحلة من تاريخها بآفة التطرف وبذلت الأجهزة الرسمية المختصة جهودًا كبيرًا لعلاج تلك المشكلة، فعلى صعيد العمل الأمني لم تتردد الدولة في توجيه ضربات استباقية قاصمة للعناصر الإرهابية وألحقت بها هزائم نكراء، وسنّت من القوانين الرادعة ما كان كافيًا لردع من كانوا سببًا في التغرير بالشباب وإيقاعهم في مخالفات نظامية وقانونية.

كذلك اهتمت المملكة بالجانب الفكري وأقامت مراكز المناصحة التي استطاعت إعادة الكثيرين إلى جادة الصواب وساعدتهم على التخلص من الأفكار الإقصائية التي كانت مسيطرة على أذهانهم، لأن الفكر الضال يقارع بالحقائق والتوعية، والعامل الأمني وحده ليس كافيًا وحده لعلاج المشكلة. واستعانت السلطات في تلك المهمة بثلة من العلماء الأفاضل والمختصين في مجالات علم النفس والاجتماع.

كانت تلك الوصفة الفريدة التي اتبعتها المملكة علامة فارقة قادت لإنجاح جهود استئصال آفة التطرف والعنف في وقت قياسي، مما لفت أنظار العالم إليها، وتجاوبًا مع رغبة كثير من الدول في الاستفادة من التجربة السعودية تم إنشاء التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب الذي قام بدور كبير منذ تأسيسه، وقدم خدمات جليلة للدول الأعضاء عبر تبادل الخبرات وتمرير المعلومات وتقديم المساعدات المادية والفنية.

من أبرز ما اهتمت به المملكة هو تغليب ثقافة التسامح، باعتباره المدخل الأساسي للتصدي لمحاولات الإقصاء والإكراه، فاختلاف الناس في أفكارهم وثقافاتهم وطرق تفكيرهم لا ينبغي أن يكون سببًا في وجود أجواء من التوتر، بل إن الاختلاف هو قيمة عظيمة. فالإسلام يدعو للتسامح والابتعاد عن الكراهية وعدم إكراه الناس أو إرغامهم على اعتناق أي دين أو فكر، لأن ذلك أبرز وأول حقوق الإنسان التي يجب صيانتها والحفاظ عليها.

كما أولت المملكة عناية كبرى للتشجيع على التعايش وقبول الآخر واستيعابه في المجتمع، وعدم محاولة إقصائه أو إرغامه على ما لا يريده أو يرتضيه، وأكدت منذ توحيدها على أن ميزان التفاضل الوحيد بين مواطنيها هو الالتزام بالقوانين والأنظمة والسعي لخدمة الوطن، دون أي اعتبارات مناطقية أو مذهبية.

ويلعب مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني دورًا رئيسيًّا في تعزيز هذه المفاهيم وترسيخها وجعلها جزءًا أصيلًا من ثقافة المجتمع، وذلك في عدد من دوراته الماضية التي تصدت لثقافة الإقصاء ومحاولات تصنيف الناس بناء على ثقافاتهم أو انتماءاتهم.

اليوم يعقد المركز ملتقى بعنوان (دور الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع في تعزيز التسامح) حيث يتناول ثلاثة محاور أساسية هي (البعد الديني والاجتماعي والثقافي لمفهوم التسامح وتقبل الآخر)، و(دور الإعلام في تعزيز منظومة القيم الإنسانية)، إضافة إلى (دور التعليم في تعزيز القيم الإنسانية وحماية النسيج المجتمعي).

لم يكن اختيار هذا الموضوع من قبيل المصادفة، بل إنه راعى الأجواء التي تعيشها بلادنا في هذه المرحلة المفصلية من تاريخها تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله - حيث تتجه نحو الانفتاح على الآخر، وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان، ودعم مناخ التسامح والتعايش. فهذه المرحلة تختلف عما سبقها، لا سيما أن المجتمع السعودي أبدى رغبة كبيرة في التعايش مع العالم من حوله والتعاطي الإيجابي معه.

ومن أوراق العمل المقدمة يتضح أن المركز أحاط بكل جوانب القضية، حيث ركز على دور المؤسسات الدينية والاجتماعية والثقافية في تعزيز مفاهيم التعايش، وما ينتظره المجتمع من وسائل الإعلام لرفد الجهود التي تبذل للقضاء على التعصب، والاستفادة من الدور الكبير لتلك الوسائل وقدرتها على دخول كافة البيوت بدون استئذان ومخاطبتها لجميع شرائح المجتمع. والأخذ في الحسبان الأهمية المتعاظمة للمؤسسات التعليمية في تخريج أجيال مشبعة بقيم التسامح وبعيدة عن التطرف والتشنج.

والمركز عندما ينظم مثل هذه الملتقى، فإنه يضطلع بالدور الحيوي الملقى على عاتقه، ويؤدي الأمانة التي حمله إياها ولاة الأمر، لتعزيز عناصر الوحدة الوطنية وتمتين البناء الداخلي وتحصين المجتمع من جميع عناصر الفرقة والشتات، لأننا كمجتمع سعودي نعيش جميعا في وطن واحد يضمنا ونفخر بالانتماء له، وتجمع بيننا كلمة التوحيد، ونصلي جميعًا إلى قبلة واحدة، وهذه كلها قواسم مشتركة، تجمعنا ولا تفرقنا، وتعصمنا من الزلل، وتبعدنا عن الفرقة والتشتت.

لذلك فإن الدور الكبير الذي ينتظر المجتمع من المركز القيام به يحتّم عليه تكثيف عقد مثل هذه الملتقيات، والبحث عن أساليب عصرية لتنزيل مخرجاتها على أرض الواقع، لا سيما بعد الدعم الكبير الذي أبدته القيادة لأعماله، والتوجيهات السديدة التي قدمتها لقيادته، حتى لا تتحول أعماله إلى حوارات نخبوية في قاعات مغلقة، وتبقى مخرجاته حبيسة الأرفف والأدراج.

وللحقيقة فإن الأسلوب الذي يتبعه المركز، وطريقة تنظيم الملتقى، والتركيز على ربط أوراق العمل بالواقع المعاش، وإدراك طبيعة المنعطف التاريخي الذي تمر به المملكة، كل هذه عناصر قوة ترفع من مستوى التفاؤل بأن تسهم المخرجات في إيجاد واقع إيجابي، يكون رافدًا للقيادة وسندًا لها لبلوغ الأهداف المحدودة ومواصلة المسيرة المباركة.