مجاهد عبدالمتعالي

يقول الدكتور نادر الحمامي ما معناه: «سيد قطب مثلا يمكن أن يشرع لأعتى الأفكار رجعية اعتمادا على أعتى النظريات حداثية»، فهل هذا خاص بسيد قطب لوحده أم أنه سمة تشمل كل العاجزين عن «الجرأة على استخدام العقل»، مما ينتج عن هذه الجرأة القدرة على «نقد الذات»، وما يستتبع ذلك من مُكنة ثقافية وعمق وتحرر فكري؟.

العاجزون عن «النقد الذاتي - حضاريا وفكريا وتراثيا.. إلخ» يموهون في مشاريعهم الفكروية باستعراض فهمهم «أدوات الغرب ومناهجه الفكرية»، لكنهم يرسبون بامتياز في نقد «واقع مجتمعاتهم»، ويختارون بدلا عن ذلك الطريق السهل الشعبوي عبر استخدام أدوات الغرب في نقد الغرب، فكأنما هم إعادة تدوير لكل أدبيات «اليسار الغربي»، وهذا الأمر لا يتجاوز مهارة النقل عن الفرنسية والإنجليزية والألمانية، ليظهروا أمام مجتمعاتهم بصفتهم مفكرين يدافعون عن الهوية، فعن أي هوية يتحدث المدافعون عن الهوية التي استعمرها العثمانيون ستة قرون، فلم يعد عندها من الأفكار سوى ما تنقله قبل هذه القرون عن «ابن رشد» و«ابن خلدون» و«الشاطبي»، قبل حضور السلاجقة الأتراك في الفضاء العربي، فحتى الهلال الأحمر مثلا كشعار يعود في أصله لأول جمعية للهلال الأحمر في 1876م، عندما أخطرت تركيا الدول في أثناء حربها مع الصرب بتأسيس جمعية الهلال الأحمر العثماني، للقيام بالأعمال التي تضطلع بها جمعية الصليب الأحمر، التي سبق أن أنشئت بسويسرا في 1864م، وكلمة «حريم»، التي أصبحت دارجة على لسان بعض المجتمعات العربية، ليست إلا إرثا سلجوقيا، ولا يعرف أن للعرب تقاليد تختلف عن تقاليدهم، والدليل هذا الإرث الطويل في الأدب العربي لقصائد «عنترة عبلة»، مرورا بزهير في «بانت سعاد...» و«قيس ليلى» و«كثير عزة» و«جميل بثينة» مع شعر عمر بن أبي ربيعة الغزلي، وغيرهم من الشعراء العرب مع ما في أشعارهم وحكاياتهم من الغزل والهوى، ولكن لم يبطش أحدٌ بأحد كحرية تعبير وجداني يعجز بعض الشعراء العرب عن امتلاكها في منبر أدبي بالقرن الحادي والعشرين.

أخطر ما في هؤلاء «الفكرويين» ليس سيرهم في لعبة سيد قطب بأول المقال، بل في إعادة إنتاج التخلف بمصطلحات حديثة، لتسمع مثلا من يصف «التخلف» بأنه «مجرد اختلاف ثقافي»، وصولا إلى نقاش مخيف يوضح فيه أحدهم أن «ضرب الزوج لزوجته» مثلا، وكما يقول بثقة عمياء: «هو اختلاف ثقافات، فلو تزوجت ابنة هذه الثقافة من زوج خارج ثقافتها، ولم يضربها من باب الغيرة، لأصبحت خائفة قلقة من أن زوجها لا يحبها حبا صادقا»، فالمسألة كما يصورها بحذلقة فكرية: «ليست تخلفا كما يتصور الجاهلون بإثنوغرافيا الشعوب والمجتمعات، ممن لم يقرأوا بشكل كافٍ لكلود ليفي شتراوس...» إلخ من مصطلحات تجعل الحالة المرضية بين زوج سادٍ وزوجة مازوخية حالة عادية بلغة ثقافوية، تريد إقناعك بأن التخلف، وما فيه من أمراض نفسية، ليس إلا تنوعا ثقافيا، وبهذا فهو ممسك ببخور الشعبوية يوزعه على جمهوره، وممسك في اليد الأخرى بآخر النظريات في الفكر الاجتماعي، ليختلط بخور الخرافة بمفردات العلم الحديث، ثم تراه يزاحم «العقل الحديث» صدارة «الحداثة».

هناك مثال آخر، لا علاقة له بسيد قطب ولا بالصحوة، لكنه مكبل بمألوفه الاجتماعي، على الرغم من محاولاته في «النقد الثقافي»، لتراه في كتابه «ثقافة الوهم» يهاجم «مسابقات ملكات الجمال، وفي اختيار المضيفات، والمذيعات والسكرتيرات....»، وينشغل بالنقد وفق «مألوفه الاجتماعي»، فيعيد إنتاج أفكار اليسار الغربي مرة أخرى دون أي جرأة على استخدام العقل، فالجرأة الفكرية «نقد للذات في ذاتها الثقافية»، وهذا ما يتجنبه بذكاء، جامعا ما بين «الشعبوية» و«النخبوية»، ومستخدما خليطا ثقافيا يجعله ينشغل بنقد مسابقات ملكات الجمال كمنتج غربي، متجاهلا كل الحمولة التراثية التي أنتجت قضايا عدم تكافؤ النسب، والقتل تحت مسمى «قضايا الشرف»، مما يعد مناقشة مسابقات الجمال ترفا اجتماعيا «شعبويا»، مع إغفال تام في «ثقافة الوهم» لتنوع النظر الإنثربولوجي. ولعل استغراقه في مباحث اللسانيات أخذه بعيدا عن أبجديات التثقيف الذاتي في علم الاجتماع، للتفريق مثلا بين الجنس والجنسانية، مما جعله يهاجم كتاب «ألف وليلة» باعتباره كتابا ذكوريا.. إلخ، ليظهر بصفته مدافعا عن «حقوق المرأة»، ولكنه في سياقه اللغوي يدافع عن نسقه الفكري، القائم على فكرة الدفاع الذكوري عن «حقوق الحريم»، فدفاعه عن المرأة يخرج من ثقب دفاع الذكر عن «الحريم»، وليس الدفاع عن «الإنسان» بالمعنى الحداثي، ولهذا تجده في كتاب «ثقافة الوهم»، خلال ترافعه عن المرأة، يعود لأعرافه الاجتماعية على المستوى الإقليمي الضيق، فيعلي من غزل البدو باعتباره عذريا ضد غزل الحضر غير العذري!!، وهذا ما يجب الالتفات إليه في معظم أطروحاته عن المرأة كمدافع شعبوي عن المرأة بصفتها «حريما» وليس بصفتها «إنسانا»، فمقتضيات أطروحاته مهمومة بقضايا «البيوريتانية» الشعبية بكل ما فيها من بطريركية فجة.

أخيرا.. إن القطيعة المعرفية ضرورة فكرية، كي لا نعيد إنتاج تخلفنا بمصطلحات علمية حديثة، والاستثناءات تعد على أصابع اليدين لمفكرين أخلصوا في سبيل «تحرير العقل العربي»، ولم يدخلوا نفق تسويغ التخلف باعتباره «مجرد اختلاف ثقافي بسيط»، يجب الدفاع عنه باسم «الهوية»، بما فيها من معطيات العقل الجمعي القومي أو الديني أو الطائفي لمن قال: «وما أنا إلا من غزية إن غوت...»، والمفارق أن الشاعر يدرك هذا الغي ويقرر اتباعه، لكن المصيبة في «الفكرويين العرب» الذين نهجوا ـ عن غير قصد ـ طريق «من قد يشرع لأعتى الأفكار رجعية اعتمادا على أعتى النظريات حداثية».

قد يظن البعض أن هذا عن سبق إصرار وترصد منهم في تجاهل شعار التنوير «تجرأ على استخدام عقلك»، الذي يحتاج إلى شجاعة فكرية وقدرة عقلية لا يملكونها، وليست منتظرة منهم، لكن الغالب على من اعتاد الحفظ في صغره أن التقليد سيغلبه، حتى ولو تعلم محاكاة المفكرين على كبر، فسيترافع عن ثقافته القديمة بلغة حديثة دون أن يدري.