هل هناك حلف موضوعي بين الدولة والمثقف مقارنة بعلاقة رجل الدين بالدولة؟ لنبدأ من القرون الوسطى المسيحية لنجد الدولة تراوح ما بين سيطرة الكنيسة عليها، أو تحالف الكنيسة معها، وما استتبع ذلك من حروب طائفية (كاثوليك، بروتستانت، أرثوذكس) وصليبية (مسيحيين، مسلمين) وصكوك غفران.. إلخ، وعلى أنقاض هذه الجثث والدماء في هذه الحروب ظهرت الدولة الحديثة متحررة من رجل الدين وهيمنة الكنيسة، ليولد من رحم هذه الدولة الحديثة (المثقف) دون أن يخشى اتهامه بالزندقة كما كان يحصل معه عند هيمنة رجل الدين على الدولة في القرون الوسطى، ولهذا فإن المثقف هو ابن الدولة الحديثة ومفاهيمها في (المواطنة)، بينما مثلاً (الدولة الإسلامية في العراق والشام/ داعش) قامت على ما قامت عليه الدولة المسيحية في القرون الوسطى مستمدة وجودها من نفس المفاهيم القروسطية في (نظرية الحق الإلهي) عاجزة عن نقل السيادة الفكرية من الخطاب اللاهوتي إلى الخطاب السياسي، ومن رجل الدين (المحدث، الفقيه، الواعظ... الخ) إلى رجل العلم (السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي.. الخ)، من الدولة الدينية إلى الدولة المدنية.
ما مهمة المثقف، وما مهمة رجل الدين في الدولة الحديثة، وهل هناك تداخل بينهما، وما مناطق النزاع المحتملة بينهما؟ هنا (محاولة) للإجابة، فالأصل أنه لا يوجد تداخل ولا مناطق نزاع بين المثقف ورجل الدين، لأن الفتوى الدينية في طبيعتها الأصلية ليست (عامة)، وقد وقف كثير من رجال الدين أنفسهم ضد فكرة اعتبار الفتوى (مقررا نظاميا) على كل سكان الدولة الحديثة المترامية الأطراف، لما يستتبعها من فساد العباد لاختلاف (الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) فكيف لو أضفنا لها وفق مفاهيم العصر والدولة الحديثة اختلاف (الدين بين مسلمين ومسيحيين وصابئة وإيزيدية)، أو اختلاف (الطائفة بين سنة وشيعة)، واختلاف (المذهب بين أحناف ومالكية وشافعية وحنابلة)، واختلاف (العقيدة عند السنة بين أشعرية وماتريدية وأهل الحديث والصوفية)، واختلاف (العقيدة عند الشيعة بين إمامية وإسماعيلية وزيدية)، التي يجمع وفق مفاهيم المنظمات الدولية الحديثة مسمى (رابطة العالم الإسلامي) التي يبذل أمينها العام محمد بن عبدالكريم العيسى جهداً استثنائياً يليق بانتسابه للمملكة العربية السعودية في جمع الكلمة ونبذ الفرقة بين الدول ومكوناتها الدينية المختلفة.
هذا الاستعراض الموجز للأديان والطوائف والمذاهب الذي لا تخلو منه أي دولة من الدول هو الكاشف لحقيقة الدور المناط بالمثقف والدور المناط برجل الدين، فالدولة الحديثة في أمريكا أو الهند، في أوروبا أو أفريقيا لا يعنيها مسائل العقيدة التي تخص مواطنيها أو المقيمين على أرضها ما دامت هذه العقائد لم تتحول إلى أفعال تعبدية تؤثر على السلم والأمن الاجتماعيين، كأن يقوم من يعتقد في (الدولة والإمامة ومعنى الكفر البواح) اعتقاد قرون ماضية لا تعرف معنى الكهرباء ولا الطائرة ولا قمر صناعي ولا صندوق دولي ولا هيئة أمم متحدة، يعتقد فقط أن أقصر طريق لحل أزماته النفسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية هو تحويل عقيدته في (الدولة والإمامة ومعنى الكفر البواح) إلى موعظة تهدد وتتوعد مخالفيها بالخسران والدمار، يستجيب لها (مؤمن مصدق بموعظته) فيتمنطق بحزام ناسف يحيط بجسده وسط أعداء (عقيدته الخاصة) من أبناء وطنه، ثم تجد هذا الواعظ (الراسبوتيني) يتلمظ مستنكراً هذا الفعل ولسانه ما زال ينفث موعظته العقائدية دون توقف، وهنا يأتي دور المثقف لكشف هذا الخبث، وهذه الأساليب الحربائية، وتحذير الناس منها، وإظهار خطرها الحقيقي على (اللحمة الوطنية).
المثقف مولود لم يظهر في ظل سيادة الكنيسة، بل ظهر وازدهر بعد أن تخلصت الدولة القروسطية من هيمنة الكنيسة عليها ونشأة الدولة الحديثة، ليأتي المثقف باعتباره مولودها البكر، وحامي معناها الأصيل المتمثل في (المواطنة)، وتبقى الدول في موقفها من المثقف بحسب موقفها من مفهوم (المواطنة) فكلما ازدهرت (المواطنة) بدلالاتها المتفق عليها في ميثاق حقوق الإنسان، ازدهر دور المثقف، وكلما انخفضت المواطنة وفق معايير حقوق الإنسان غلبت أدوار ما قبل الدولة من (رجل الدين إلى رجل القبيلة) على دور المثقف، لتصبح الدولة مجرد هيكل عظمي تنخره المصالح الطائفية والعشائرية كما نرى فيما اصطلح على تسميته (الدول الفاشلة/الهشة).
مهمة المثقف كشف أي مفاهيم أيديولوجية تحاول السيطرة الشمولية على (الفضاء العام) لصالح فئة ضد فئة، فالمثقف يدرك أن من أهم أسس (التوافق على شرعية الدولة الحديثة يقوم على رعاية مصالح جميع المواطنين وليس مصالح فئة أو فئات معدودة منهم) وأن سيطرة طائفة أو عرق ليس إلا عودة بالدولة إلى مفاهيم ما قبل الدولة (الطائفة، القبيلة)، بينما المعيار الحديث يقوم على (المواطنة) كأساس تقوم عليه العلاقة المجتمعية ليتولد عنها ما يسمى (مؤسسات المجتمع المدني).
ويبقى على أي دولة حديثة الحذر من (صعود النخب المنقسمة) دون احتواء وتوجيه تحت عنوان واحد هو مصلحة (الوطن والمواطن)، أو أن يستشعر المواطن أن (الأجهزة الأمنية تظهر كدولة داخل الدولة) لتصبح الدولة مجرد (نظام) يحمي نفسه من شعبه عبر نشر (المزاج البوليسي) بين مواطنيه كما حصل في عراق صدام أو ليبيا القذافي.
أخيراً يبقى رجل الدين له مجاله الخاص باعتباره مختصا بقضايا العبادات الخاصة بأتباع مذهبه، دون أي محاولة للتغول أو استغلال البعد المذهبي له- سواء كان أغلبية أو أقلية- بين موظفي الدولة لتحويلهم إلى عقائديين ضد مواطنيهم من الطوائف والمذاهب الأخرى، ومثله رجل القبيلة في انتقاص حقوق مواطنيه من القبائل والأعراق الأخرى، ويبقى للمثقف مجاله باعتباره (الطليعة) الفكرية للدولة، ومنه تخرج للدولة كل كوادر (القوة الناعمة) في السياسة الدولية.
ما مهمة المثقف، وما مهمة رجل الدين في الدولة الحديثة، وهل هناك تداخل بينهما، وما مناطق النزاع المحتملة بينهما؟ هنا (محاولة) للإجابة، فالأصل أنه لا يوجد تداخل ولا مناطق نزاع بين المثقف ورجل الدين، لأن الفتوى الدينية في طبيعتها الأصلية ليست (عامة)، وقد وقف كثير من رجال الدين أنفسهم ضد فكرة اعتبار الفتوى (مقررا نظاميا) على كل سكان الدولة الحديثة المترامية الأطراف، لما يستتبعها من فساد العباد لاختلاف (الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) فكيف لو أضفنا لها وفق مفاهيم العصر والدولة الحديثة اختلاف (الدين بين مسلمين ومسيحيين وصابئة وإيزيدية)، أو اختلاف (الطائفة بين سنة وشيعة)، واختلاف (المذهب بين أحناف ومالكية وشافعية وحنابلة)، واختلاف (العقيدة عند السنة بين أشعرية وماتريدية وأهل الحديث والصوفية)، واختلاف (العقيدة عند الشيعة بين إمامية وإسماعيلية وزيدية)، التي يجمع وفق مفاهيم المنظمات الدولية الحديثة مسمى (رابطة العالم الإسلامي) التي يبذل أمينها العام محمد بن عبدالكريم العيسى جهداً استثنائياً يليق بانتسابه للمملكة العربية السعودية في جمع الكلمة ونبذ الفرقة بين الدول ومكوناتها الدينية المختلفة.
هذا الاستعراض الموجز للأديان والطوائف والمذاهب الذي لا تخلو منه أي دولة من الدول هو الكاشف لحقيقة الدور المناط بالمثقف والدور المناط برجل الدين، فالدولة الحديثة في أمريكا أو الهند، في أوروبا أو أفريقيا لا يعنيها مسائل العقيدة التي تخص مواطنيها أو المقيمين على أرضها ما دامت هذه العقائد لم تتحول إلى أفعال تعبدية تؤثر على السلم والأمن الاجتماعيين، كأن يقوم من يعتقد في (الدولة والإمامة ومعنى الكفر البواح) اعتقاد قرون ماضية لا تعرف معنى الكهرباء ولا الطائرة ولا قمر صناعي ولا صندوق دولي ولا هيئة أمم متحدة، يعتقد فقط أن أقصر طريق لحل أزماته النفسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية هو تحويل عقيدته في (الدولة والإمامة ومعنى الكفر البواح) إلى موعظة تهدد وتتوعد مخالفيها بالخسران والدمار، يستجيب لها (مؤمن مصدق بموعظته) فيتمنطق بحزام ناسف يحيط بجسده وسط أعداء (عقيدته الخاصة) من أبناء وطنه، ثم تجد هذا الواعظ (الراسبوتيني) يتلمظ مستنكراً هذا الفعل ولسانه ما زال ينفث موعظته العقائدية دون توقف، وهنا يأتي دور المثقف لكشف هذا الخبث، وهذه الأساليب الحربائية، وتحذير الناس منها، وإظهار خطرها الحقيقي على (اللحمة الوطنية).
المثقف مولود لم يظهر في ظل سيادة الكنيسة، بل ظهر وازدهر بعد أن تخلصت الدولة القروسطية من هيمنة الكنيسة عليها ونشأة الدولة الحديثة، ليأتي المثقف باعتباره مولودها البكر، وحامي معناها الأصيل المتمثل في (المواطنة)، وتبقى الدول في موقفها من المثقف بحسب موقفها من مفهوم (المواطنة) فكلما ازدهرت (المواطنة) بدلالاتها المتفق عليها في ميثاق حقوق الإنسان، ازدهر دور المثقف، وكلما انخفضت المواطنة وفق معايير حقوق الإنسان غلبت أدوار ما قبل الدولة من (رجل الدين إلى رجل القبيلة) على دور المثقف، لتصبح الدولة مجرد هيكل عظمي تنخره المصالح الطائفية والعشائرية كما نرى فيما اصطلح على تسميته (الدول الفاشلة/الهشة).
مهمة المثقف كشف أي مفاهيم أيديولوجية تحاول السيطرة الشمولية على (الفضاء العام) لصالح فئة ضد فئة، فالمثقف يدرك أن من أهم أسس (التوافق على شرعية الدولة الحديثة يقوم على رعاية مصالح جميع المواطنين وليس مصالح فئة أو فئات معدودة منهم) وأن سيطرة طائفة أو عرق ليس إلا عودة بالدولة إلى مفاهيم ما قبل الدولة (الطائفة، القبيلة)، بينما المعيار الحديث يقوم على (المواطنة) كأساس تقوم عليه العلاقة المجتمعية ليتولد عنها ما يسمى (مؤسسات المجتمع المدني).
ويبقى على أي دولة حديثة الحذر من (صعود النخب المنقسمة) دون احتواء وتوجيه تحت عنوان واحد هو مصلحة (الوطن والمواطن)، أو أن يستشعر المواطن أن (الأجهزة الأمنية تظهر كدولة داخل الدولة) لتصبح الدولة مجرد (نظام) يحمي نفسه من شعبه عبر نشر (المزاج البوليسي) بين مواطنيه كما حصل في عراق صدام أو ليبيا القذافي.
أخيراً يبقى رجل الدين له مجاله الخاص باعتباره مختصا بقضايا العبادات الخاصة بأتباع مذهبه، دون أي محاولة للتغول أو استغلال البعد المذهبي له- سواء كان أغلبية أو أقلية- بين موظفي الدولة لتحويلهم إلى عقائديين ضد مواطنيهم من الطوائف والمذاهب الأخرى، ومثله رجل القبيلة في انتقاص حقوق مواطنيه من القبائل والأعراق الأخرى، ويبقى للمثقف مجاله باعتباره (الطليعة) الفكرية للدولة، ومنه تخرج للدولة كل كوادر (القوة الناعمة) في السياسة الدولية.