ليس من أهداف هذه المقالة صياغة أي رأي لساني، أو توجيه أي نقد لساني لأي من آراء اللسانيين. وكاتب المقال لا يزعم تعليم اللسانيين أي شيء، بل أقصى ما يسعى إليه هو طرح رأي اجتماعي من الدرجة الأولى، كون اللغة وتراثها وتاريخها هو جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع.
إن سبب ولادة هذا المقال، يعود إلى الحرية التي يمنحها لسانيون كثيرون لأنفسهم في خوض مجال العلم والمنهج العلمي، وتقديم ما يقولونه في هذا الشأن بوصفه علما، بل إنهم -وتحت غطاء العلم- أصبحوا يصنفون خصومهم باللاعلمية، ويخوضون معاركهم الأيديولوجية باسم العلم وقداسة العلم، ويتحدثون عن العلم وأدوات العلم، وكأنهم يملكون وحدهم مفاتيح مملكة العلم الرحيبة.
فهم حريصون كل الحرص على عدم السماح لعلمهم النفيس بالضياع فوق أراضي التراث الغامضة، لذلك أحاطوا علمهم بهالة من القدسية العلمية، وتحلقوا حول شيخهم، شيخ الطريقة العلمية، الشيخ الوقور المدعو نعوم تشومسكي، كبيرهم الذي علمهم العلم والعلمية وحررهم من التراث واللاعلمية.
انتقلت عدوى العلمية من الغرب إلى الشرق، وانقلبت بعض أقسام اللغة العربية وآدابها في العالم العربي إلى مجرد بازار لعرض النظريات اللغوية الغربية واستهلاكها، وخضنا معارك دونكيشوتية لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ولا خاسر فيها سوى العلم والإنسان، بعدما صارت اللغة -هذه المأثرة البشرية- تُعالَج وكأنها مشكلة تقنية أو دائرة كهربائية تولد الكلمات والجمل، بعدما تم تقييدها بالمعادلات والأشكال الهندسية والإحصاءات الصارمة.
أصبح لتشومسكي وأتباعه حضور طاغٍ في أقسام اللغة العربية في الجامعات العربية، فهم رافعوا لواء العلم والعلمية، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية تحرير اللغة من نير التراث، بعدما أصبح التراث مجرد صخرة صماء تقف في طريق مسيرتهم العلمية المظفرة.
إذن، ماذا سيقدم هذا التيار التشومسكي المعبأ بأيديولوجيا علموية للغة العربية وطلاب اللغة العربية؟ وما مستقبل العربية مع هذا التيار المؤدلج؟
من خلال استقراء الوقائع البسيطة أمامنا، ندرك جيدا أن هذا التيار يفضل دراسة اللهجات على العربية الفصيحة، ويملك نظرة مليئة بالازدراء والسخرية من تاريخ اللغويات العربية وعلمائها الكبار، واصفا إياها باللاعلمية والتراثية والمتأخرة، وهذا بطبيعة الحال
سيزعزع مكانة اللغويات العربية في عقول الطلاب، مما يغرس في وجدانهم عدم احترام هذه الإرث اللغوي والأدبي الضخم.
لا يوجد لدينا أدنى شك أن هذا التيار يعدّ تحديا جديدا يواجه اللغة العربية، فهو لا يملك أي خطة طويلة أو قصيرة الأجل لخدمة العربية، وبعضهم يفضل اللغة الإنجليزية على العربية، وهم يبدون رأيهم هذا إما تصريحا أو تلميحا.
وما يزيد الطين بَلّة، أن بعض أفراد هذا التيار كانوا رؤساء لأقسام اللغة العربية، والبعض الآخر أعضاء في لجان يفترض أنها تخدم العربية، وتسعى للحفاظ عليها.
لا بأس من الاطلاع على علوم الأمم الأخرى والاستفادة من تجاربها، دون أن يتحول هذا الاطلاع إلى حالة من الافتتان والانبهار اللذين سيؤديان -بطبيعة الحالة- إلى تبعية ثقافية غير مرغوب فيها، وهذه التبعية هي ما نراها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار في حالة تشومسكي وأنصاره بالعالم العربي.
هذه التبعية هي التي جعلت هؤلاء يناصبون اللغويين العرب العداء، وينظرون نظرة كلها تعال وازدراء لإرث العرب الأدبي واللغوي، وكل هذا تحت غطاء العلم والعلمية، والمثير للضحك أنهم لم يقدموا حتى لحظة كتابة هذا المقال أي قانون عام يحكم أي ظاهرة لغوية، ومعروف أن القانون العام هو التتويج النهائي للمنهج العلمي.
بعض أقسام اللغة العربية في الجامعات العربية تحمل رسالة وأهدافا تتضمن حماية اللغة ونشرها وتعزيز استعمالها بين أفراد المجتمع، فمن باب أولى حماية العربية من هذه التيارات اللغوية المتغلغلة داخل أروقة بعض أقسام اللغة العربية.