تحدثنا في مقالة سابقة عن مختصر الخصخصة التي ينشدها المشجع الرياضي وبعض رؤساء الأندية، لأنها من وجهة نظرهم الفردوس الموعود الذي سيحقق أفضل الخدمات وأكثر المنشآت جودة، وقد رسخ في أذهانهم أن القطاع العام لم يعد حريصا على تقديم الأفضل للناس لأنه لا يقوم على أساس المنافسة.
وأنديتنا لا تزال تدار ماليا بطريقة كلاسيكية عبر الهبات والتبرعات القادمة من شخصيات "متجاوزة" للوسط الرياضي أو دعم حكومي لا يلبي احتياجات الأندية المتزايدة تصاعديا لأرقام صارت حملا ثقيلا على كاهل من يعيلها.
وسنتحدث اليوم عن الأثر السوسيولوجي على اللاعب والمشجع على حد سواء، فمع هذا التسارع الكوني الرهيب في عمليات التخصيص ودخول السوق وسيطرته على كثير من مجريات الحياة، انحبست كثير من أندية العالم في قفص السوق، حيث صارت مباراة كرة القدم لعبة للتسلية في ظاهرها ولكن في حقيقتها ليست إلا مجرد فضاء رحب وواسع لعرض سلع ومنتجات محرضة على مزيد من الاستهلاك، وفي خضم هذا الفضاء يجد المشجع نفسه أسير المئات من الإعلانات الممنهجة.
كان اللاعب في السابق ابن النادي وجزءا لا يتجزأ من كيانه، والعلاقة بين النادي واللاعب هي علاقة حميمية فيها مساحة كبيرة من الانتماء والعصبية، فاللاعب كان أسطورة ورمزا وبطلا قوميا وجزءا من تاريخ النادي، لكن العلاقة انقلبت رأسا على عقب، وأصبحت الأندية تتعامل مع اللاعب بحيادية وموضوعية باعتباره مادة قابلة للتوظيف والتبادل.
اللاعب سيجد نفسه في هذا الفضاء المزدحم بالشركات المتعددة الجنسيات وقد فقد مركزيته واغترب عن ذاته، وصار يعيش في محيط الأشياء، أي أن الإنسان هنا يتعرض للتشيؤ، ويدرك أنه أصبح وسيلة بعد أن كان غاية، وفي هذا الفضاء يفقد اللاعب جزءا كبيرا من خصوصيته فهو تحت مراقبة المدرب في كل جوانب حياته العامة والخاصة، وكل كلمة يتفوه بها محسوبة عليه، ولا يأكل إلا ما يفرضه عليه المدرب، وقد يتوغل المدرب أكثر في حياة اللاعب ويقوم بترشيد بعض من علاقاته العاطفية.
هكذا تغدو أهمية اللاعب في قابليته للبيع ومقدار ما يحققه من مبيعات، وستسود كل مفاهيم السوق التي لا تخضع لأي مرجعيات أو مطلقات أو غائيات والتي بدورها ستحول انتماء اللاعب من الوطن للسوق "النادي" ولا يعي اللاعب أنه منقاد بوعي أو بدون وعي منه لجشعه وحبه للمال.
سيطرة السلوكيات المادية مع دخول الخصخصة لعالم الرياضة وهيمنة مفاهيم السوق على الأوساط الرياضية ستؤدي بلا أدنى شك إلى استلاب جزء من إنسانية اللاعب والتعامل معه كوحدة اقتصادية مع تحويل الإنسان المعاصر "المشجع" لمستهلك أبدي تحوم أحلامه حول السوق ومنتجاته، لن تحقق الخصخصة الفردوس الأرضي بشكل شمولي، لأن هناك آثارا سلبية ستنتج عنها، وقد تدفع الرياضة ويدفع الرياضيون ثمنها مقابل الأخلاق والمبادئ.