الاستغلال والجهل
تلجأ بعض المستشفيات إلى استغلال جهل المرضى بإجراءات التأمين، حيث تُطلب منهم موافقات على خدمات طبية تتخطى ما تحتاجه حالتهم الصحية، أو حتى أنها تُعد غير ضرورية، ما يضعهم في وضع معقد يتركهم في حالة من الالتباس، مع الأخذ بالاعتبار أن هذه الخدمات تُحتسب على بوليصة التأمين.
كما تعمل بعض المستشفيات على الزيادة في الطلب على موافقات العلاج، حيث يُسجل عدد كبير من الحالات التي تُطالب بخدمات طبية قد لا تكون ضرورية. وتقوم شركات التأمين بدورها برفض بعض هذه الطلبات بحجة عدم الحاجة الطبية للخدمة، مما يجعل المريض في موقف محير يدفعه إلى التحول إلى مراسل ما بين شركات التأمين والمستشفيات.
وأسهم هذا الواقع في خلق تجربة مرهقة للمرضى، فمن جانب تزداد الأدوية الموصوفة بشكل غير متناسب وغير ضروري لتحقيق مكاسب مالية، يقابلها من جانب آخر رفض متكرر لطلبات الموافقات.
تعقيد في الموافقات
تبرر شركات التأمين حالات الرفض لطلبات الموافقة على الخدمات المطلوبة من المستشفيات بداعي عدم حاجة الحالة للخدمة، إلا أن المعلومات المطلوبة لتبرير الرفض تكون في بعض الأحيان غير منطقية.
ويضع هذا النوع من التعقيد ضغطًا إضافيًا على المرضى، الذين يصبحون مُجبرين على المرور بعملية مطولة لتلبية متطلبات شركات التأمين.
وفي حال تم رفض الخدمة، فقد يلجأ الطبيب إلى وصف أدوية تفوق احتياجات المريض الحقيقية، وذلك في محاولة لتعويض الفجوة المالية الناتجة عن الرفض. فيتحول المريض من خاضع للعلاج إلى مجرد «مراسل» بين شركات التأمين والمستشفيات، مما يزيد من تعقيد العمليات الطبية.
وكل هذه العوامل تؤدي في النهاية إلى ارتفاع قيم بوليصة التأمين عند تجديد الاشتراكات، مما يشكل عبئًا ثقيلًا خاصة على العائلات الكبيرة.
معالجة الثغرات
مع إقرار الحكومة التأمين الطبي للجميع، باتت الحاجة ملحة أكثر للتعامل مع كيفية معالجة هذه الثغرات من قِبل هيئة التأمين، وإلى فرض ضوابط تمنع الاستغلال الذي يمارسه بعضهم بحق بعض المرضى، وإلى تحسين آليات الموافقة لتحقيق توازن أفضل بين مصالح شركات التأمين وحقوق المرضى.
وذكر إختصاصيون أن التأمين الطبي يجب أن يكون أداة للمساعدة وتعزيز الصحة، وليس وسيلة للاستغلال.
ولإعادة المريض إلى موقعه الطبيعي كفرد له حقوق واحتياجات، يتطلب الأمر تغييرات جذرية في الطريقة التي تعمل بها المستشفيات وشركات التأمين. كما أن الأمر يحتاج إلى فكر متجدد وإجراءات فعالة لضمان حصول كل مريض على الرعاية التي يستحقها، دون أن يمر بدوامة مبالغة الطلبات ورفض الموافقات.
مشاكل التأمين
يؤكد كميل الراشد، وهو موظف في شركة تأمين، أن الهيئة المسؤولة عن التأمين الصحي وُجهت لمشاريع رقمية تهدف لتحسين الخدمة والرقابة، وأوضح «لعلاج الثغرات المذكورة، وفي ظل التوسع نحو التغطية الشاملة، عكفت الجهات المعنية في هيئة التأمين ومجلس الضمان الصحي على بعض المشاريع الرقمية التي يفترض أن تعزز من جودة الخدمة وتحقق أقصى استجابة ممكنة وسريعة مع سهولة الوصول للتقييم والمتابعة وفرض الرقابة، مثل نظام نفيس للموافقات الطبية، وغيرها».
ورأى أن ثمة حلول لمثل هذه المشاكل، ومنها «تعزيز الرقابة والشفافية عبر التحول الرقمي، وذلك بمنصات إلكترونية موحدة لربط شركات التأمين والمستشفيات والمرضى، تقلل الحاجة إلى المراسلات الورقية، وتعمل على تسريع عملية الموافقة على الخدمات الطبية».
ونوه إلى أنه يمكن لهذه المنصات تضمين آلية مراجعة تلقائية للمطالبات باستخدام الذكاء الاصطناعي لتقييم مدى ملاءمة الخدمات المطلوبة للحالة الطبية.
قاعدة مركزية
يكمل الرائد بالتأكيد على «الحاجة إلى قاعدة بيانات مركزية تشمل التاريخ المرضي للمشتركين، وتفاصيل المطالبات السابقة، وهذا ما تعمل عليه الجهات المعنية حيث تعكف على أرشفة التاريخ المرضي لكل فرد، مما يسهم في منع التلاعب، وتحديد التسعير العادل لبوليصات التأمين بناءً على تحليل البيانات الضخمة بدلًا من الاعتماد على السجلات الفردية».
وأضاف «لا بد من وضع معايير واضحة للخدمات الطبية والموافقات، مثل إصدار دليل إرشادي وطني يُحدد الإجراءات والخدمات الطبية الأساسية لكل حالة، مع تفعيل آليات مراقبة صارمة للتأكد من التزام المستشفيات بهذه المعايير».
وعلّق «هذه الخطوة كفيلة بأن تضع حدًا للمبالغة في طلب الخدمات غير الضرورية، علاوة على تشكيل لجان طبية مستقلة لمراجعة الحالات المُعقدة، بدلًا من ترك القرار للمستشارين الطبيين التابعين لشركات التأمين، مما يضمن حيادية القرارات، ويقلل من تضارب المصالح».
وأشار إلى «أهمية توفير قنوات شكاوى سريعة للمرضى للطعن في قرارات الرفض أو التجاوزات، مع ضمان استجابة فورية من الهيئة التنظيمية».
دور الوعي
أردف الراشد «يجب ألا نغفل عن تعزيز الوعي التأميني من خلال الحملات التوعوية للمرضى حول حقوقهم وواجباتهم في نظام التأمين، بما يشمل شرح تفاصيل التغطيات، وطرق الاعتراض على القرارات غير العادلة، وكذلك دمج معايير الاستدامة في السياسات التأمينية، مثل ربط التغطيات ببرامج الوقاية الصحية لتقليل التكاليف طويلة المدى».
واستدرك «باتباع هذه الإجراءات، يمكن تعزيز كفاءة نظام التأمين الطبي، وحماية حقوق المرضى، وضمان استدامة التغطية الشاملة دون إرهاق مالي كبير على الكيانات والمؤسسات».
تفاؤل بالتطورات
من جانبه، أعرب علي المختار، وهو موظف آخر في شركة تأمين، عن تفاؤله بالتطورات الحديثة، موضحًا أن «التحول الرقمي أسهم في تقليل التلاعب في النظام، حيث تم إنشاء قسم خاص بالجودة في شركات التأمين يهدف إلى مراقبة المستشفيات وتقييم خدماتها بناءً على تجربة المستفيد».
وأضاف «جميع ما تم ذكره سابقًا من الملاحظات كانت في الماضي، والآن مع التحول الرقمي، وتوحيد جميع التعاملات بين المستشفى وشركات التأمين، تم الحد من هذا النوع من التلاعب».
واستدرك «يوجد قسم جودة في كل شركة تأمين ليجري عمل تدقيق وعمل زيارات ميدانية لجميع المراكز والمستشفيات الصحية، بحيث يقوم موظف الجودة بعيش تجربة المستفيد، وتقييم عمل المستشفى أو المركز، ورفعه إلى إدارة الشركة».
وأكد أن «جهود هيئة التأمين ملموسة في حال وجود شكاوى بين المراكز أو شركات التأمين، حيث تتم الاستجابة وحل تلك الشكاوى في مدة قصيرة ومعلومة».
تعاون فعال
تؤكد المبادرات التي تعمل عليها الجهات المعنية أن الطريق نحو تحسين نظام التأمين الطبي مستمرة، وهي تتطلب تعاونًا فعّالًا بين جميع الأطراف المعنية، وتضع في الأولوية ضمان حقوق المرضى، وتقديم رعاية طبية تلبي احتياجاتهم الفعلية دون نقص أو مبالغة، ودون إدخالهم في دوامات الإجراءات الروتينية المعقدة، وبما يضمن استدامة هذا النظام في ظل ضغط التكاليف المتزايدة، خاصةً للعائلات الكبيرة، لخلق بيئة صحية أفضل للجميع.
خطوات تحسن تجربة التأمين الطبي
1. تعزيز الرقابة والشفافية عبر التحول الرقمي
- إنشاء منصات إلكترونية موحدة تربط الجهات الطبية لتسريع الموافقات وتقليل الطلبات الزائدة
- استخدام الذكاء الاصطناعي لتقييم ملاءمة الخدمات الطبية المطلوبة للحالة.
2. قاعدة بيانات مركزية
- توثيق التاريخ المرضى للمشتركين يساعد في منع التلاعب وتقديم تسعيرات عادلة.
3. وضع معايير واضحة
- إصدار دليل إرشادي وطني يُحدد الإجراءات والخدمات الأساسية، مما يمنع طلب خدمات غير ضرورية.
- تشكيل لجان مستقلة لمراجعة الحالات المُعقدة.
4. تعزيز وعي المرضى
- إطلاق حملات للتوعية حول حقوق المرضى
ـ التغطية الصحية لتقليل مخاطر الاستغلال.