بدأت، اليوم في جنيف، أعمال الدورة الخامسة والخمسين لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي ستستمر حتى الخامس من أبريل المقبل، وذلك في الوقت الذي يعاني فيه العالم 6 صراعات بارزة لها تأثير مباشر على السلام العالمي. كما أنها تهدد الاقتصاد العالمي، وفقا لموقع crisisgroup.

ودعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، في كلمته خلال افتتاح الدورة، إلى اتخاذ إجراءات لإنهاء الصراعات في الشرق الأوسط وميانمار وأوكرانيا والسودان وهايتي، والعديد من الأماكن الأخرى حول العالم، والقضاء على التمييز، وإصلاح الاقتصادات المشوهة والبيئة المتضررة، وتوفير خدمات عالية الجودة في مجال التعليم والصحة، ومكافحة الفساد، وتحقيق التنمية الأكثر شمولًا.

1 - الحرب على غزة


قادت حركة حماس هجوما في 7 أكتوبر، الأمر الذي تلاه تدمير إسرائيلي لغزة، ما أخذ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني المستمر منذ عقود إلى فصل جديد مروع. وبعد مرور ما يقرب من 5 أشهر، أصبح من الواضح أكثر من أي وقت مضى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لن تقضي على حماس، كما يزعم القادة الإسرائيليون، وأن محاولة القيام بذلك يمكن أن تقضي على ما تبقى من غزة.



بدأت الحملة الإسرائيلية على غزة، بعد وقت قصير من هجوم 7 أكتوبر، حيث حاصرت إسرائيل القطاع أسابيع قبل أن تسمح بدخول مساعدات محدودة. بينما مهد القصف العنيف والنداءات إلى سكان شمال القطاع، بما في ذلك مدينة غزة، لإخلاء الجنوب الطريق لعمليات برية شهدت تطويق القوات المناطق، ثم انتقالها إلى مدينة غزة.

وفي أواخر نوفمبر، شهد الصراع وقفة قصيرة بوساطة قطر، وبدعم من الولايات المتحدة ومصر. وفي 1 ديسمبر، استؤنف الهجوم مع عمليات برية أيضا في جنوب غزة. كما يستمر القصف العنيف والقتال في جميع أنحاء القطاع.

ودمر جيش الاحتلال الإسرائيلي جزءا كبيرا من القطاع، وقتل قرابة 29782 فلسطينيا، وترك أعدادا لا تحصى من الأطفال قتلى أو مشوهين أو يتامى. وأسقطت إسرائيل حمولات ضخمة من القنابل، بعضها يزن 2000 رطل، على مناطق مكتظة بالسكان.

وبشكل عام، يبدو أن استمرار الحرب لا يعني على الأرجح بداية الجهود الرامية إلى إحياء عملية السلام، كما يزعم بعض القادة الغربيين، بل نهاية أي مسار سياسي يمكن التعرف عليه، لكن لم يحدث قط في تاريخ الصراع القاتم أن بدا السلام بعيد المنال.

2 - حرب الشرق الأوسط الأوسع

لا إيران وحلفاؤها من غير الدول، ولا الولايات المتحدة وإسرائيل يريدون مواجهة إقليمية، ولكن هناك الكثير من الطرق التي يمكن أن تؤدي بها الحرب بين إسرائيل وحماس إلى مواجهة إقليمية.

فمنذ بداية الحرب في غزة وإيران عاجزة عن فعل شيء، بينما تشير التقارير إلى تدخلها بواسطة أذرعها في لبنان واليمن. من جهتها، تمنع واشنطن الحرب من الاتساع، حيث نشرت مجموعتين من حاملات الطائرات في البحر الأبيض المتوسط.



إن أخطر نقطة هنا هي اشتعال الحرب على الحدود الإسرائيلية - اللبنانية. ومنذ 7 أكتوبر، تبادل تنظيم حزب الله وإسرائيل إطلاق الصواريخ بمعدل متزايد باطراد، حيث يسعى حزب الله إلى تقييد الجيش الإسرائيلي إلى ما دون عتبة الحرب الشاملة التي خاضها الجانبان فترة وجيزة في 2006.

وفي أماكن أخرى، تبادلت الجماعات المدعومة من إيران إطلاق النار مع القوات الأمريكية، خصوصا في سوريا والعراق، إذ قصفت الميليشيات، مرارا وتكرارا، قواعد ومنشآت دبلوماسية أمريكية، ما دفع الولايات المتحدة إلى شن هجمات مضادة أسفرت عن مقتل رجال الميليشيات.

ثم هناك الحوثيون الذين أطلقوا صواريخ وطائرات بدون طيار على إسرائيل، وضربوا سفنا تجارية في البحر الأحمر، مشيرين إلى الهجوم الإسرائيلي على غزة كدافع لهم، الأمر الذي أدى إلى توتر في منطقة البحر الأحمر، وإنشاء تحالف أمريكي - بريطاني، للرد على هذه الهجمات التي تهدد الاقتصاد العالمي، وترفع من مخاطر التضخم.

3 - السودان

في أبريل 2023، اندلعت حرب بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، وتوسع الأمر إلى حرب شاملة. وقد خلّف قتالهم منذ ذلك الحين آلاف القتلى، وشرد ملايين آخرين، ودفع السودان إلى حافة الانهيار. وبينما يطارد شبح الإبادة الجماعية مرة أخرى المنطقة الغربية من دارفور، قد تكون قوات الدعم السريع، المسؤولة عن الكثير من عمليات القتل، مستعدة للاستيلاء على البلاد.



الحرب متجذرة في الصراعات داخل الجيش بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير خلال انتفاضة شعبية في 2019، بعدما مكن البشير قوات الدعم السريع كحارس غير رسمي، في محاولة لعزل نفسه عن تهديدات الانقلاب. زعيم قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف أيضا باسم «حميدتي»، اكتسب سمعة سيئة للمرة الأولى كقائد لميليشيات الجنجويد التي أخمدت بشراسة التمرد نيابة عن البشير في دارفور بمنتصف 2000.

أما بالنسبة لجهود صنع السلام، فقد اجتمع ممثلو الطرفين بشكل متقطع في جدة بالمملكة العربية السعودية، ولكن لم يتفاوض أي منهما بحسن نية. وفي ديسمبر الماضي حولت واشنطن دعمها إلى مسعى من رؤساء الدول الإفريقية للجمع بين البرهان وحميدتي، للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.

في هذا العام، تتزايد المخاوف في السودان من انزلاق سريع نحو «الحرب الشاملة» في ظل الاصطفاف والتحشيد الشعبي من طرفي القتال - الجيش وقوات الدعم السريع - وانتشار خطاب الكراهية وعمليات التصفية، وسط تقارير عن انتشار أكثر من مليوني قطعة سلاح خارج المنظومة الأمنية الرسمية، وفقا لما أعلنته لجنة حكومية شكّلت لجمع السلاح غير المقنن عقب سقوط نظام الإخوان في 2019.

4 - الحرب الروسية - الأوكرانية

لقد أصبحت الحرب الروسية - الأوكرانية بمثابة «كرة قدم سياسية» في واشنطن، لكن ما يحدث في ساحة المعركة سيحدد أمن أوروبا في المستقبل، فالجبهة التي يبلغ طولها 600 ميل بالكاد تتحرك. وقد تضاءل الهجوم المضاد لأوكرانيا، حيث لم يحقق جيشها سوى القليل من الأراضي، ناهيك عن اختراق الدفاعات الروسية في الجنوب، كما كانت تطمح كييف إلى القيام به. بينما يخشى الجنرالات الأوكرانيون هجوما روسيا في الشرق أو الشمال.



وعلى الرغم من أن بعض الأمريكيين يشعرون بالغضب إزاء تكلفة المساعدات، الأمر الذي أدى إلى رفض الجمهوريين ذلك بشكل قطعي، فإن مساعدة أوكرانيا على الأقل في الصمود أمر يستحق القيام به. من جهتها، يتعين على أوروبا، التي يرى العديد من قادتها أن الحرب وجودية، أن تتحمل المزيد من العبء مهما حدث في واشنطن.

بينما تقول واشنطن: «إذا احتلت موسكو المزيد من أوكرانيا، فليس من المبالغة تخيل أجزاء من الجمهوريات السوفيتية السابقة الأخرى أن تكون التالية على قائمة بوتين».

5 - ميانمار

شكّل هجوم المتمردين، الذي طرد الجيش من مناطق في شمال شرق ميانمار، والقتال في أماكن أخرى، أكبر تهديد حتى الآن للمجلس العسكري الذي استولى على السلطة قبل نحو ثلاث سنوات.

من جهتها، ردت الجماعات العرقية المسلحة بطرق مختلفة على الانقلاب، إذ درب بعضهم خلايا المقاومة، وزودهم بالأسلحة وآوى قادتهم، بينما أقام عدد قليل منهم تحالفات أوثق مع حكومة الوحدة الوطنية، وهي هيئة معارضة تتألف في معظمها من مشرعين مخلوعين، بمن فيهم كثيرون من حزب الزعيمة المدنية المخلوعة أونغ سان سو تشي، التي سجنها الجيش. في حين بقي آخرون على الهامش أو تمسكوا بوقف إطلاق النار مع الجيش.



أعاد الانقلاب البلاد عقودا إلى الوراء، حيث انهارت العملة وأنظمة الصحة والتعليم، وارتفعت معدلات الفقر بشكل كبير، وأصبح أكثر من 2.5 مليون شخص نازحون داخليا (بالإضافة إلى مئات الآلاف من الروهينجا الذين طردهم الجيش في 2017)، ومن الصعب أن نرى الأزمة تنتهي في أي وقت قريب.

6 - أمريكا والصين

تسعى بكين وواشنطن منذ وقت طويل إلى تخفيف حدة التوترات، حيث تريد الصين التركيز على الاقتصاد الصيني المتعثر، والحيلولة دون فرض المزيد من القيود التجارية الأمريكية.

من جهتها، شددت واشنطن القيود على بيع التكنولوجيا المتطورة إلى الصين، بالإضافة إلى مجموعة من التعريفات والقيود الأخرى، بينما تريد إدارة بايدن بعض الهدوء قبل الانتخابات الأمريكية لعام 2024، وطمأنة العواصم الأخرى القلقة من العداء بين العملاقين بأنها تستطيع إدارة المنافسة بمسؤولية.

بشكل عام، لا تظهر أساسيات التنافس أي علامة على التراجع، ويرى الصقور في كلتا العاصمتين المنافسة على أنها محصلتها صفر. الحديث الفضفاض عن الحرب يطبع الفكرة.

ففي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تسعي بكين للحصول على ما تعتبره النفوذ الأكبر الذي تستحقه كقوة بارزة في المنطقة، وهو ما يصطدم مباشرة بتصميم واشنطن على الحفاظ على هيمنتها العسكرية. وتميل العديد من العواصم الآسيوية، التي شعرت بالفزع من إصرار بكين المتزايد، ورأت في العدوان الروسي في أوكرانيا سابقة، إلى العلاقات الأمنية مع واشنطن، حتى في الوقت الذي تقدر فيه التجارة مع الصين.

ويبدو بحر الصين الجنوبي، حيث تتداخل المطالبات البحرية الصينية مع مطالبات الدول الساحلية الأخرى، ومن بينها الفلبين، حليفة الولايات المتحدة، محفوفا بالمخاطر بشكل متزايد.

حاليا، ربما يكون الخطر الأكبر هو اصطدام الطائرات أو السفن الصينية والأمريكية.