كانت الدولة السعودية هي الشوكة العربية الأقوى في نحر (الإسلام الأعجمي) لاستعادة (الإسلام العربي) في جزيرة العرب طيلة ثلاثة قرون ممثلة في أسرة آل سعود مناضلين ومنفيين وشهداء، فقد كانت هذه الأسرة تمارس السياسة وفق تطور داخلي خاص يتجاوز (العقل السلفي التقليدي)، فلو تعامل (الملك عبدالعزيز) مع المعطيات الدولية حوله وفق ذهنية أجداده قبل مائة سنة لما تمكن من إنشاء أقوى دولة في جزيرة العرب في العصر الحديث، ولا يحتاج الأمر إلى خلط (القراءة السلفية بالقراءة التاريخية بالقراءة السياسية) للدفاع عن الدولة السعودية، لأن هذا الخلط يخرج لنا دفاعا (طفولي) يشبه (طفولة اليسار) بطابع (يميني طفولي) يكاد يقول: (هذه الدولة صنيعة السلفيين/حقتنا وبس)، رغم أن بعض السلفيين لهم انتماءاتهم الأممية التي تجعلهم يشعرون بقرابة (الهندي الأعجمي) إلى قلوبهم أكثر من قرابة مواطن سعودي (غير سلفي) يخدم في القوات المسلحة السعودية على الحدود.
بل إن بعض من يدافع عن السلفية يستعرض أقوالا متطرفة لبعض أئمة المذاهب الإسلامية، كنوع من الرد على دعاوى التطرف السلفي الذي ظهر في (السبلة، جهيمان.. الخ)، وكانت ذروته داخل السعودية إرهاب تعمَّد الدولة وجميع مكوناتها بلا استثناء، وصولاً إلى حراسة المساجد لمن نسي أو تناسى، ولهذا فمن الواجب اعتبار الأقوال المتطرفة لأي مذهب أو طائفة إنما هي (بنت زمنها) لا أقل ولا أكثر، ولن يخلو منهج ولا مذهب ولا طائفة على وجه الأرض من (جروح الصراع السياسي) فلمَ التقاذف بصديد التاريخ؟!!.
السعودية الأولى والثانية هما ابنتا ظروفهما التاريخية آنذاك، ومن الخطأ محاكمة الحاضر بالماضي (إلا إذا كررناه)، لأن التكرار في المرة الأولى يأتي على شكل مأساة ثم في الثانية يأتي على شكل مهزلة/مسخرة، ولهذا فمن حق أمريكا - مثلاً - أن تتجاهل كل من ينتقد تاريخ نشأتها بما حصل على الهنود الحمر، فالأحداث في تلك الفترة متداخلة ومتشابكة إلى الحد الذي يجعل أمريكا النشأة بين (فرنسا وإنجلترا وهولندا وإسبانيا) غير أمريكا الثورة والاستقلال، وكذلك الدولة السعودية في مراحلها الأولى، يكفيها شرفاً محاولتها استعادة (الإسلام العربي) وفق إمكانياتها في كل مرحلة، فقد تمددت في أحد مراحلها إلى مناطق أصبحت دولاً مستقلة الآن، وهذا التمدد القديم كان ديدن العالم آنذاك، كما اعترف العالم بتغير خارطته السياسية حتى داخل أوروبا نفسها حتى بعد اتفاقية ويستفاليا في حربين عالميتين، فلا شيء يستحق أن يلتفت إليه المواطن السعودي، يشككه في تاريخه السياسي مهما كان مذهبه وطائفته، أما الحاسد الكاره فلا طبَّ له.