معظم ما نقرأه لكثير من الكتاب العرب يكاد يكون جريئاً في استخدام العقل، لكن في تبرير السحر الموجود في العالم، وبقول آخر: فكل كتابة عربية لكاتب مغمور أو مفكر معروف لا تحاول نزع السحر/ الخرافة عن هذا العالم فليست سوى فذلكة لغوية تبريرية لبقاء هيمنة «الكهنة والسحرة والإكليروس» على العقل العربي.
كل مقال أو كتاب تكتبه أو تقرأه وأنت تدرك أنه لا ينزع السحر عن العالم، فليس إلا ضياع حبر وورق ووقت بحذلقات وقضايا فرعية تشبه التحذلق اللغوي الضيق بين «القبيلة والقبائلية»، فهل في هذا التقسيم حل «علمي» للقضية، أم أن فيه «حذلقة لغوية» للخروج بحل يتواطأ فيه الكاتب مع «ذئب التعصب القبلي» كي لا يموت، وفي المقابل يقف مع «غنم القبيلة» كي لا تفنى.
كل مقال أو كتاب أو حتى تغريدة تكون عاجزة عن فك طلاسم «السحر/ الخرافة» عن وجه هذا العالم، فليست سوى بلاغة تشبه «كأننا والماء من حولنا، قوم جلوس حولهم ماء»، ليس عيباً أن نعترف بأن عبدالله القصيمي هو أجرأ رجل في الوطن العربي في نزع السحر عن العالم، ورغم ذلك تجد النقاشات الطويلة التافهة في سؤال: «هل القصيمي مفكر أم لا؟ وهل يستحق هذا اللقب أم لا؟» يا للقرف من قوم ينشغلون بالخلاف حول توصيف إصبع القصيمي وهي تشير للقمر، اقرأوه فقط ثم أعطوه من الألقاب الفخمة أو الشتائم المقذعة ما تشاؤون، لا فرق، المهم أن تقرأوه أولاً، وإياكم أن تقرأوا عنه فقط، لا يفعل ذلك إلا جبان يخشى استخدام عقله.
كتب كثيرا عن حسن حنفي عند وفاته، رغم أنه لم يستطع تجاوز المنتصف، فمارس ما مارسه كثير من المفكرين الغربيين إبان هيمنة الكنيسة، هذه الهيمنة التي اضطرتهم لممارسة «الفلسفة بين السطور» ليقرأها السذج والحمقى من أطفال الثقافة العربية باعتبارها «انبثاق الفلسفة من أصل ديني»، عاجزين عن قراءة أقرب كتاب في «فلسفة العلوم» و«تاريخ العلوم» و«تاريخ الدين» و«علم النفس الديني» ليدركوا أن حنينهم للكهنوت لا علاقة له بالفلسفة والمنهج العلمي.
الكهنوت سيطر إلى حد التصفية المعنوية ووصل للقتل حرقاً وشنقاً لخصومه، فكتب هؤلاء المفكرون خلاصة أفكارهم الفلسفية «بين السطور»، وقضية «الكتابة بين السطور» أفرد لها سعد البازعي مقالاً رزيناً في مجلة الفيصل بعنوان «الفلسفة بين السطور وخوف المعرفة» متكئاً على كتاب مهم للفيلسوف الألماني ليو شتراوس بعنوان «الاضطهاد وفن الكتابة»، مشيراً إلى أن نظرية هذا الكتاب ألهمت الباحث الأمريكي آرثر ميلتزر لتأليف كتابه «الفلسفة بين السطور»، علماً أن التقاليد التي أشارا لها في كتابيهما ما زالت موجودة في كثير من الكتابات القديمة والحديثة، ولم يسلم منها حتى عبدالله القصيمي نفسه في «بعض» مكتوبه.
المثير للشفقة أن ترى شباباً يقرأون الفلسفة من دون أن يمتلكوا مهارة تفكيك الشفرة «لما بين السطور» التي أوضحها سعد البازعي بأنها «صفة لكل معرفة أو معتقدات مقتصرة على فئة محدودة من الناس، أي المعرفة المحاطة برموز أو دلالات لا يصل إليها إلا أهلها من الخاصة أو المختصين»، وهذه المهارة التي يفتقدها كثير من الشباب ليست شيئاً صعباً أو غنوصياً بقدر ما هو استغراق في دلالات اللغة ومآلات الفكرة، فالعقل الجبان لن يخرج إلى هذه المآلات والدلالات، بقدر ما سيعيد إنتاجها داخل فضاءه الكهنوتي الضيق ليكتب مقالاً عن ميلاد الفلسفة من الكهنوت، أو عن ارتباط الفلسفة بالكهنوت؟!
ليته يحاول استبدال حذلقته بمحاولة التمكن من قراءة ما بين السطور لهؤلاء المضطهدين من المفكرين والفلاسفة، لعله ينزع سحر العالم عن رأسه في ارتباط الفلسفة والتفكير الحر بالكهنوت، لأن الفلسفة والتفكير الحر ارتبطا بسؤال الحياة، أما الكهنوت فقد حاول تسخيرها لصالح الموت والموت فقط.
هل هناك أمثلة نسائية استطاعت ذلك؟ ربما فاطمة المرنيسي في محاولتها نزع «بعض» السحر عن هذا العالم سواء بكشف ميكانيزمات الذكورية داخل البلدان العربية باسم الدين وداخل الغرب باسم النظام الأبوي، فهذه سيدة قالت ما لم يقله «فحول» المثقفين عندنا في قضايا كثيرة، وفض فو من لام هؤلاء «المستفحلين فكرياً»، فمخرجات ثقافة الأنهار أكثر خصباً من غيرها مهما افتعلنا بالقول غير ذلك، يكفي أن تقرأ مجلد «باحثات» الصادر عن تجمع الباحثات اللبنانيات ومنهن «جين سعيد المقدسي/أخت إدوارد سعيد»، لندرك بعض التواضع في جدوى الركض بين النهر والخبت، ولهذا نجد ماكس هوركهايمر مؤسس مدرسة فرانكفورت سنة 1923 يرى أن «التوتاليتارية تتطابق مع انتصار الأساطير على العقل»، ولهذا من حقنا أن نفترض سؤالاً من عنوان كتاب عبدالله القصيمي «كبرياء التاريخ في مأزق»؟! والإجابة بصوت هامس كي لا نخدش سمع أحد: «لأن كبرياء الكتابة لهذا التاريخ في مأزق».