لا يعاني التنويريون في هذه الفترة من (الظلاميين) بالمعنى الداعشي، ولا يعاني التنويري من أطروحات السلفية التقليدية ولكنه قطعًا يعاني من مشكلة يمثلها فريقان، الفريق الأول شباب مبتعثون للدراسة في أفضل جامعات الغرب، وما زالوا محافظين على جنسيات بلدانهم العربية على أمل العودة فور انتهاء دراستهم، وفريق كهول عرب عادوا متنقلين ما بين بلدانهم وبلدان الغرب ومنهم من قرر الاستقرار في الغرب وحمل جنسية الغرب وعاش حياة الغرب بكامل دسمها (الديمقراطي).

وعليه سنختصر الأزمة دون الدخول في منعرجات الفكر لنطرح (صورة كاريكاتورية) يتضح من خلالها أزمة التنويريين (الحقيقيين) مع (التنويري الشعبوي) والمثال ببساطة يكمن في إدراك واقعنا، فعندما نقرأ عن إبداع هيلين كيلر (صماء عمياء) المولودة عام 1880 ندرك الفارق الحضاري بيننا وبين (العالم المتقدم)، ففي نفس التاريخ (تمامًا) علينا قراءة الواقع العربي لندرك معنى (فارق حضاري) وهذا ما يجعلنا نستشهد بالصورة الكاريكاتورية التالية التي توضح ورطة التنويريين الحقيقيين مع المزيفين، والصورة الكاريكاتورية ببساطة: أن توجد قرية لا تعرف عن العالم الخارجي شيئًا وتعيش تمامًا بلا كهرباء ولا طب حديث ولا مواصلات حديثة، وينقسم التنويريون في هذه القرية إلى أصناف ولنحاول أن نطرح أسماء واضحة تتقاطع مع واقعنا العربي في مقاربة مع هذه القرية، لنرى مجموعة من أمثال (عبدالوهاب المسيري ووائل حلاق وطه عبدالرحمن وأبو يعرب المرزوقي) ولنعتبرهم ممن أصبح كهلاً في هذه القرية ويقف وراءهم مجموعة من الشباب الجدد (المبتعثين للدراسة وتنوير هذه القرية) لنجد هذه الأسماء الكبيرة ووراءها طابورا طويلا من المبتعثين الشباب تكتب مقاربات وتؤلف كتبًا ضد (الحداثة) بكامل حمولتها المعرفية، فإن جاء التنويريون من (عمال المعرفة الحقيقيين) في هذه القرية وتحدثوا عن ضرورة وجود طب حديث رد هؤلاء بعشرات الدراسات ومئات الأبحاث عن الأخطاء الطبية ومشاكل مراكز الأبحاث الطبية ومؤامرة الرأسمالية في استثمار المرض للتسويق... إلخ، مما لا يستطيع معه أي تنويري حقيقي أن يقنع أهل القرية بالحد الأدنى من إدخال مثلاً (لقاح شلل الأطفال) لتحصين أطفالهم كأبجدية أولى في التطور الصحي لهذه القرية، فإن جاؤوا بمطالب عن تطوير المواصلات والاستغناء عن الدواب، انقض هؤلاء المزيفون بدراسات وكتب وأبحاث عن (أرقام حوادث السيارات، ومخاطر الكربون المتولد عنها على بيئتهم... إلخ)، فإن تجرأ التنويري الحقيقي بالحديث عن ضرورة إدخال الكهرباء، قاومه هؤلاء الكهول ومعهم كثير من الشباب المبتعث بالحديث عن أخطار الكهرباء في زيادة درجات الحرارة على هذا الكوكب وأثرها على البيئة وما تتركه الأعمدة والكيابل من مخاطر على بعض أنواع الحيوانات... إلخ.

بعد هذا الاستعراض الموجز، والذي يكاد يشرح في أقصى صورة مبسطة أخطار هذه الأسماء التي لبست ثوب التنوير زيفًا، لندرك حقيقة أنهم ميلاد (ظلاميين جدد) فكيف إذا عرفنا أنهم وبشكل غير مباشر يكررون أسطوانة (داعش) نفسها، لكن من خلال استخدام أحدث المصطلحات والدراسات الفكرية، لكن النتيجة واحدة، تتضمن كراهية وعداوة شيئين (الدولة الحديثة، الحداثة)، وأخيرًا.. لو كان لأحد أن يكره أحدًا حد القطيعة لما وجدنا أبغض عند الياباني من الأمريكي، ولكن المشاعر لا قيمة لها عند (المهمومين بالنهضة الحضارية) لأوطانهم وشعوبهم.