على وسائل الإعلام القيام بدورها للحد من ظاهرة الخوف الزائد من الحسد والعين، حتى يكون أفراد المجتمع على حذر دائم من كل شخص يستغل ظروفهم المرضية من أجل التجارة والتكسب المادي

تعدّ ظاهرة الخوف المبالغ فيه من العين والحسد، التي وصلت مستوى متفاقما في المجتمعات العربية، من أشد الظواهر الاجتماعية إثارة للحيرة والتعجب والغموض. فدائما ما نسمع القصص الخارقة للعادة والمثيرة للدهشة التي تنتشر بين أفراد المجتمع حول أشخاص يملكون قدرات خارقة على إيذاء الآخرين وإلحاق الضرر بهم وبأطفالهم وممتلكاتهم، قد تصل أحيانا إلى مستوى قصص الفنتازيا وحكايات ما وراء الطبيعة، ما يجعلنا نعيد مراجعة كل ما قيل حولها حتى لا تتفاقم المشكلة أكثر من ذلك، فالمشكلة لها تبعاتها الاجتماعية السلبية على المدى القريب والبعيد على حد سواء.
لا شك أن أحد أقوى الأسباب المؤدية للخوف المرضي من العين والحسد هو الوسواس، فالشيطان يدخل على ابن آدم من أبواب عديدة ومنها المبالغة في الخوف، وهذا الخوف المفرط من العين الذي يصل لدرجة الوسواس والشك يعتبر شكلا من أشكال الخلل في العقيدة وضعف التوكل على الله، وفي المجتمعات العربية وصل الخوف من العين والحسد لمستوى المرض الاجتماعي والنفسي.
والخوف من العين موجود في كثير من الثقافات حول العالم، ففي إيطاليا تنتشر مثل هذه المعتقدات حول الإنسان صاحب العين الشريرة، ويطلقون عليه لقب «jettator»، وهو كل إنسان يملك عينا شريرة، وهذا الإنسان المخيف جدا، لدرجة أنه أثناء مروره من الشارع فإن الشارع يخلو كليا من البشر، إذ يندفع الناس إلى الأبواب ليتجنبوا خطر نظراته المرعبة، وفي مجتمع أمهرا الإثيوبي يجبر الأهالي مثل هؤلاء الأشخاص على السكن بعيدا عن منازل القرية.
ومع اختلاف التعاطي مع ظاهرة العين تبعا لتنوع البيئات والثقافات، وكل مجتمع له طرقه الوقائية وتدابيره الخاصة، وكلما زاد الخوف منها زاد توجه الناس إلى الاعتقاد بالأساليب البدائية في العلاج والإيمان بالخرافات والشعوذة، وزاد معها عدم القدرة على تشخيص الأمراض الحقيقية التي يعانونها، وقد ينسبون كل عارض صحي يتعرضون له للعين والحسد، وبالتالي لا يسعون للبحث عن التشخيص الطبي الدقيق للمرض الذين يعانونه أو يعانيه أفراد أسرتهم.
وهذا الخوف الزائد من العين له انعكاساته السلبية التي لا تخفى على أحد، نجدها واضحة جلية في حالة التنافر الاجتماعي، فقد يعيش الأشخاص الذين يصنفهم المجتمع على أنهم «عائنون» أو أصحاب «عين حارة» شبه عزلة، حيث يتجنبهم الناس ويخشونهم، مع أنه لا يوجد ما يثبت أن هذا الشخص أو ذاك صاحب «عين حارة»، حيث تلعب الإشاعة دورا كبيرا في ذلك، فعندما يشاع عن شخص أنه «عائن» فإن المجتمع يصدق ذلك على الفور دون الحاجة لأي أدلة أو براهين، فيتحول ذلك الشخص إلى بعبع يتعامل معه الناس بالحذر والريبة، كما أن أقواله وتصرفاته تصبح محط أنظار الجميع، وأي أعراض تصيب من يقابلهم أو يتحدث معهم تفسر على أنها نتيجة لحديثه عنهم أو زيارته لهم.
لذلك يسعى أفراد المجتمع المحيط بالمشتبه بكونهم من ذوي «العين الحارة» إلى إخفاء ممتلكاتهم عنهم، ويمنعون أطفالهم من مقابلتهم أو السلام عليهم، بل يخفون عنهم ممتلكاتهم الثمينة ولا يصرحون لهم عن موعد سفرهم للخارج، مما يجعل الناس في حالة خوف وحذر وعدم شعور بالراحة بالتواجد قربهم.
لذا نجد الشخص دائما ما يقرن عبارات الوصف والمدح والإطراء للآخرين ولممتلكاتهم بعبارة «ما شاء الله»، وإذا لم يتلفظ بها فإن الطرف الآخر سيطلب منه مباشرة وبإلحاح شديد التلفظ بقول «ما شاء الله» فورا، أو أن أي كارثة يتعرض لها الطرف الآخر سيعزو أسبابها إلى عين ذلك الشخص. وبسبب معرفتنا بسلوك وطريقة تفكير مجتمعنا، أصبحت جملة «ما شاء الله» ملازمة لكل عبارات المديح، فهي تمثل «صك براءة» تبرئنا من أي تبعات لاحقة.
أصبح الخوف من العين يسيطر على سلوكيات أفراد المجتمع ويجعلهم في حالة استنفار وخوف مستمرين من الكوارث والأمراض وتقلبات الحال، فأصبحنا نخفي شؤونا الأسرية عن الآخرين ولا نفصح عن علاقاتنا الزوجية الناجحة، ونتوجس من الثناء والمديح حتى لو كان مجاملة، ونلزم الآخرين على ذكر الله عن كل ما يعرفونه حولنا، لدرجة أن البعض يتظاهر بالفشل في أمور حياته ويتجنب شراء المستلزمات الغالية، كأسلوب وقائي ضد العين والحسد.
إن الخوف المرضي من العين والحسد يرجع لكثرة تداول القصص الخرافية في الجلسات العائلية، والتنشئة الاجتماعية التي ترسخ مثل هذا الأفكار في عقول الأطفال، وتجعلهم في حالة خوف دائم ومستمر حتى يصبح سلوكا اجتماعيا بين أفراد المجتمع ككل، لذلك ثقافة المجتمع كانت على الدوام سببا مهما من أسباب تفشيها حتى أصبح لدينا حالة أشبه بالرهاب المرضي.
المجتمع اليوم بحاجة لإقامة ندوات مجتمعية وتوعية أسرية ونفسية ودينية قبل كل شيء، لاعتياد الأطفال على التوكل على الله كي لا يقعوا أسرى هذه الأفكار والمعتقدات، وعلى وسائل الإعلام القيام بدورها للحد من ظاهرة الخوف الزائد من الحسد والعين، حتى يكون أفراد المجتمع على حذر دائم من كل شخص يستغل ظروفهم المرضية من أجل التجارة والتكسب المادي.