قال بعضُ الغاضبين إنَّ زنادقة الإسلام ثلاثة، اثنان واضحان هما «المعريّ وابن الراوندي»، والثالث غير واضح، وهو «أبو حيَّان التوحيدي»، لأنَّه «مَجْمَج» ولم يُصرّح. والذي يُمجمِج كأنَّه يتمضمض وهو يتحدث، فلا يُدرى ما يقول، لكنَّ الجميع يعرف أنَّ التوحيديَّ من أفصحِ العرب، لهذا كانت المجمجةُ المرادةُ في قولهم هي طريقةٌ في الكتابةِ بليغة لكنَّها غير فصيحة، والمعنى أنَّ كلامَه يصل إلى غايةٍ لكنَّه غريبٌ لا يُفصِح عن المقصود خارج النفس، وكان استخدامهم للفظةِ «مَجْمَج» كافيًا للدلالة على هذا المعنى؛ لأنَّ الكلمةَ غريبةٌ كمثلِ لو نَظرَ إنسانٌ إلى اجتماعٍ مريب، فبدل أن يقول «اجتمع القوم» قال «تكأكأ القوم»، والمعنى واحد لكن في الكلمةِ الثانية تضمين بأنَّ هذا الاجتماع نفسه غريب ومريب، لأنَّ لفظةَ «تكأكأ» غريبة.
والكلام إما أن يُحيل إلى شيءٍ معروف خارج النفس متفق على أنَّه المراد، أو يُحيل إلى شيءٍ مفهوم داخل النفس، وهذا الثاني هو ما طوره التوحيدي فيما سُمّيت «الكتابة المجمجيّة»، وذلك بجعلها وسيلة لتجدّد الإبداع البليغ، ففي ظاهرها تُقلِق المتربّصين الذين يُريدون أن يُحددوا الكفر البواح في الكتابة، بينما هي في ذهنِ التَّوحيدي لها شأنٌ آخر، شأن الذي يُفكّر بالتغيير الدائم، لا بالتأليفِ الموحّد بالتوجيه. والمجمجة صفةٌ موجودة قبل التوحيدي، لكنَّه هو من أوجدها كنوع من الكتابة يُراد بها تنويع الإبداع المستقى من الذات في أعماق تهويماتها، وفي الوقتِ نفسه تُراعي القارئَ الخاصّ الذي يفهم إحالاتها، ولا يَشرح هذه المعنى إلا التوحيديُّ نفسه حين قال في أحد مؤلفاته: «طالَ الكلام، وأرجو ألا يكون ثقيلًا»، وذلك لمَّا أطالَ في بيانِ معنى بعضِ الحروف، وشعر معه بثقل التَّلقي، فاحتاج إلى أن يُمَجمج بتغيير الموضوع إلى شيء مقصود وموجود في نفس التوحيدي، وليس إلى شيءٍ عام أو موضوع آخر، إذ قد عُرِف عن التوحيديّ أنه معتدّ بذاته الكاتبة، يستحسن ما تستحسنه ويترك ما دون ذلك، لهذا نراه يتقلّب في غرائبه وأساليبه حتى في الفقه.
فمن الغرائب أنَّ النَّووي ظنَّه يومًا ما من أصحابهم - فقهاء الشافعيّة- لكن لأنَّ هذا الاعتداد بالذات لا يتناسب مع فكرةِ الأصحاب، ذُكِرت له فتوى غريبة وهي قوله «لا ربا في الزَّعفران»، وأظنّ أنَّ انتقاءَ التوحيدي الزعفران لم يكن إلا نوعًا من المجمجة، لأنَّ الزعفران له قيمته العليا في الآخرة، فهو مذكور في تراثِ العرب بأنه تربةُ الجنة.
إذن من الفروق بين المجمجة وتغيير الموضوعات في الكتابة الواحدة أن يكتب الكاتبُ وينتقل بين الموضوعات بحسب مرادِ النفس، فيفهمه من يُشبهه، ويسمّيه المتربصُ «مُجَمجمًا»، ودليل ذلك أنَّ التَّوحيديَّ في البصائر 5/124 قاسَ شعور المتلقي على ذاته، فهو ينصّ على أنَّ توقفه عن الكلام لم يكن إلا مداراة لنفسه أولًا، ثم للمتلقي، الذي سَمّاه «الناظر».
لهذا، فإنَّ المجمجةَ تختلف عن فعلِ مَن سار على منوال «الشيء بالشيء يُذكر»؛ لأنَّ المجمجةَ شرطها أن يكون تغيير الأسلوب فيه إخفاء وإظهار، لا مجرد تغيير الموضوع، فيه مراوغة الإبداع بذكاء، فانظر في كلِّ تغييرٍ فعله التوحيديُّ لترى أنه يقول شيئًا مفاجئًا بتغيير مسار الكتابة دون أن يُخلّ بالسياقِ، بل منتظمًا في سلسلةِ أفكار التوحيدي، لهذا اختلفَ فيه أصحابُ الديانةِ ولم يختلفوا في الجاحظ، صاحب مدرسة القفز والوثب، بل حتى اختلافهم على المعري كان اختلافا سطحيًا واضحًا. أما التوحيدي، الذي يعتني بأهل عصره ممن يقرأون له ويخاف من مللهم والإثقال عليهم، فقد قال عنه ابنُ السبكي الشافعي: «لم أجد في كلام التوحيدي إلا قوة النَّفس التي تزدري مُعاصريها». فهل التوحيديُّ يزدري أم يُراعي ويحب؟ قلتُ إنَّ التوحيديَّ سمى متلقي كتابِه «ناظرًا»، وفي هذا تحديد دقيق، حيث المتلقي له معان عائمة وغائبة. أما الناظر فهو الموجود الحاضر الذي يُحسّه التوحيديُ بين أنفاسِه ونفسه. انظر له حين قال لحبيبه الناظر:
«ولقد علمتُ أنَّنا من طينةٍ واحدة، تعرض لنا الحالُ التي تدلنا على عجزنا عن حظنا، فنلجأ إلى التأدبِ بالكتابةِ لتعصمنا عن دنيا الغنيُّ بها مفلس والطاهر نجس». ولم يكن هذا المعنى الذي شرحه التوحيدي إلا تأسيسًا لمفهومِ المجمجة على أنه طريقةٌ توحيدية ومتعددة في آنٍ واحد، توحيدية لأنَّ الذاتَ في الكتابة تنظم الكلامَ بخيطٍ نفسي بديع، وهي متعددة لأنَّ ثمةَ ناظرين كثر للتوحيدي انسجموا وانسجنوا في مجمجته الساحرة، ناظرين وجدوا في مؤلفات أبي حيان نظمًا لا فواصلَ فيه إلا على طريقة «الناظر إلى الذات»، الناظر الذي يُوقِف سيره لينظر إلى مُتغيرات نفسِه في المرآة.
التفاتة:
يُقال إنَّ أولَ من اتَّهم التوحيديَّ بالزندقة هو العالم اللغوي ابنُ فارس، الذي أضاع نسبَ البيت الشهير: «ثم استوى بشر على العراق.. من غير سيفٍ أو دم مهراق»، وهذه الإضاعة -أيها الناظر- طريقة في المجمجة، لأنَّها في الظاهر مجرد تعطيل نصٍ نُسب إلى كلام العرب، ولكنَّه في الباطن نفي معنى من معاني «استوى»، وهو «استولى». ألا ترى أنَّ ابنَ القيم لما مرَّ على البيتِ في كتابه «الصواعق المرسلة» قال: «هذا ليس من كلام العرب»، لأنَّ فيه دلالة على الاستيلاء على العرش. وعلاقة استوى واستولى بابن فارس والزندقة لا بدَّ أن تُحيلنا إلى صراع التوحيدي مع الوزير ابنِ عبَّاد، الذي استوى/استولى على عرشِ الوزارة في عهد البويهيين، إذ قد قالَ ابنُ فارس وهو يُزندق التوحيديَّ: «ولقد وقفَ سيدنا الوزير ابنُ عبَّاد على سوءِ معتقد التوحيدي، فطلبه ليقتله، فهرب إلى أعداء الوزير، فخدعهم بزخرفِ القول غرورا». يا لهذه المصادفة: لمَّا أراد ابنُ فارس زندقةَ التوحيدي مَجمَج مثله.
والكلام إما أن يُحيل إلى شيءٍ معروف خارج النفس متفق على أنَّه المراد، أو يُحيل إلى شيءٍ مفهوم داخل النفس، وهذا الثاني هو ما طوره التوحيدي فيما سُمّيت «الكتابة المجمجيّة»، وذلك بجعلها وسيلة لتجدّد الإبداع البليغ، ففي ظاهرها تُقلِق المتربّصين الذين يُريدون أن يُحددوا الكفر البواح في الكتابة، بينما هي في ذهنِ التَّوحيدي لها شأنٌ آخر، شأن الذي يُفكّر بالتغيير الدائم، لا بالتأليفِ الموحّد بالتوجيه. والمجمجة صفةٌ موجودة قبل التوحيدي، لكنَّه هو من أوجدها كنوع من الكتابة يُراد بها تنويع الإبداع المستقى من الذات في أعماق تهويماتها، وفي الوقتِ نفسه تُراعي القارئَ الخاصّ الذي يفهم إحالاتها، ولا يَشرح هذه المعنى إلا التوحيديُّ نفسه حين قال في أحد مؤلفاته: «طالَ الكلام، وأرجو ألا يكون ثقيلًا»، وذلك لمَّا أطالَ في بيانِ معنى بعضِ الحروف، وشعر معه بثقل التَّلقي، فاحتاج إلى أن يُمَجمج بتغيير الموضوع إلى شيء مقصود وموجود في نفس التوحيدي، وليس إلى شيءٍ عام أو موضوع آخر، إذ قد عُرِف عن التوحيديّ أنه معتدّ بذاته الكاتبة، يستحسن ما تستحسنه ويترك ما دون ذلك، لهذا نراه يتقلّب في غرائبه وأساليبه حتى في الفقه.
فمن الغرائب أنَّ النَّووي ظنَّه يومًا ما من أصحابهم - فقهاء الشافعيّة- لكن لأنَّ هذا الاعتداد بالذات لا يتناسب مع فكرةِ الأصحاب، ذُكِرت له فتوى غريبة وهي قوله «لا ربا في الزَّعفران»، وأظنّ أنَّ انتقاءَ التوحيدي الزعفران لم يكن إلا نوعًا من المجمجة، لأنَّ الزعفران له قيمته العليا في الآخرة، فهو مذكور في تراثِ العرب بأنه تربةُ الجنة.
إذن من الفروق بين المجمجة وتغيير الموضوعات في الكتابة الواحدة أن يكتب الكاتبُ وينتقل بين الموضوعات بحسب مرادِ النفس، فيفهمه من يُشبهه، ويسمّيه المتربصُ «مُجَمجمًا»، ودليل ذلك أنَّ التَّوحيديَّ في البصائر 5/124 قاسَ شعور المتلقي على ذاته، فهو ينصّ على أنَّ توقفه عن الكلام لم يكن إلا مداراة لنفسه أولًا، ثم للمتلقي، الذي سَمّاه «الناظر».
لهذا، فإنَّ المجمجةَ تختلف عن فعلِ مَن سار على منوال «الشيء بالشيء يُذكر»؛ لأنَّ المجمجةَ شرطها أن يكون تغيير الأسلوب فيه إخفاء وإظهار، لا مجرد تغيير الموضوع، فيه مراوغة الإبداع بذكاء، فانظر في كلِّ تغييرٍ فعله التوحيديُّ لترى أنه يقول شيئًا مفاجئًا بتغيير مسار الكتابة دون أن يُخلّ بالسياقِ، بل منتظمًا في سلسلةِ أفكار التوحيدي، لهذا اختلفَ فيه أصحابُ الديانةِ ولم يختلفوا في الجاحظ، صاحب مدرسة القفز والوثب، بل حتى اختلافهم على المعري كان اختلافا سطحيًا واضحًا. أما التوحيدي، الذي يعتني بأهل عصره ممن يقرأون له ويخاف من مللهم والإثقال عليهم، فقد قال عنه ابنُ السبكي الشافعي: «لم أجد في كلام التوحيدي إلا قوة النَّفس التي تزدري مُعاصريها». فهل التوحيديُّ يزدري أم يُراعي ويحب؟ قلتُ إنَّ التوحيديَّ سمى متلقي كتابِه «ناظرًا»، وفي هذا تحديد دقيق، حيث المتلقي له معان عائمة وغائبة. أما الناظر فهو الموجود الحاضر الذي يُحسّه التوحيديُ بين أنفاسِه ونفسه. انظر له حين قال لحبيبه الناظر:
«ولقد علمتُ أنَّنا من طينةٍ واحدة، تعرض لنا الحالُ التي تدلنا على عجزنا عن حظنا، فنلجأ إلى التأدبِ بالكتابةِ لتعصمنا عن دنيا الغنيُّ بها مفلس والطاهر نجس». ولم يكن هذا المعنى الذي شرحه التوحيدي إلا تأسيسًا لمفهومِ المجمجة على أنه طريقةٌ توحيدية ومتعددة في آنٍ واحد، توحيدية لأنَّ الذاتَ في الكتابة تنظم الكلامَ بخيطٍ نفسي بديع، وهي متعددة لأنَّ ثمةَ ناظرين كثر للتوحيدي انسجموا وانسجنوا في مجمجته الساحرة، ناظرين وجدوا في مؤلفات أبي حيان نظمًا لا فواصلَ فيه إلا على طريقة «الناظر إلى الذات»، الناظر الذي يُوقِف سيره لينظر إلى مُتغيرات نفسِه في المرآة.
التفاتة:
يُقال إنَّ أولَ من اتَّهم التوحيديَّ بالزندقة هو العالم اللغوي ابنُ فارس، الذي أضاع نسبَ البيت الشهير: «ثم استوى بشر على العراق.. من غير سيفٍ أو دم مهراق»، وهذه الإضاعة -أيها الناظر- طريقة في المجمجة، لأنَّها في الظاهر مجرد تعطيل نصٍ نُسب إلى كلام العرب، ولكنَّه في الباطن نفي معنى من معاني «استوى»، وهو «استولى». ألا ترى أنَّ ابنَ القيم لما مرَّ على البيتِ في كتابه «الصواعق المرسلة» قال: «هذا ليس من كلام العرب»، لأنَّ فيه دلالة على الاستيلاء على العرش. وعلاقة استوى واستولى بابن فارس والزندقة لا بدَّ أن تُحيلنا إلى صراع التوحيدي مع الوزير ابنِ عبَّاد، الذي استوى/استولى على عرشِ الوزارة في عهد البويهيين، إذ قد قالَ ابنُ فارس وهو يُزندق التوحيديَّ: «ولقد وقفَ سيدنا الوزير ابنُ عبَّاد على سوءِ معتقد التوحيدي، فطلبه ليقتله، فهرب إلى أعداء الوزير، فخدعهم بزخرفِ القول غرورا». يا لهذه المصادفة: لمَّا أراد ابنُ فارس زندقةَ التوحيدي مَجمَج مثله.