محمد بن مفلح

في خضم حياتنا المليئة بالأحلام والتطلعات، قد تبدو الأماني بعيدة المنال، وكأنها نجوم تلمع في سماء لا نصل إليها أبدًا. ومع ذلك، هناك من بيننا من يؤمن بأن حسن الظن بالله والإلحاح في الدعاء هما المفتاحان الحقيقيان لتحقيق ما يبدو مستحيلا.

كنت جالسًا يومًا مع صديق أثق في حكمته وعمق تجربته، فبدأ يسرد لي قصصاً عن مواقف واجهها. قد يظنها البعض معجزات، لكنها في الحقيقة كانت نتائج ليقين بحسن الظن بالله. قال لي: «الكثير من الناس يملكون أحلاماً بعيدة، لأنهم لا يدركون أن الثقة بالله والدعاء المستمر هما الطريق إلى تحقيق كل ما نتمناه».

بدأ صديقي يحكي قصة وكأنها أسطورة من الأساطير. قال: «كنت أدعو الله بأن يضاعف رزقي أضعافاً مضاعفة. لم أكن أدعو مرة أو مرتين، بل كنت ألحّ بالدعاء بيقين تام أن الله لن يخيبني. وذات يوم»، تحقق ما كنت أطلبه بشكل فاق كل توقعاتي. لم يدخل في التفاصيل، لكني كنت واثقًا أن اليقين هو المفتاح لفتح كل باب مغلق.

لم تنتهِ حكايته عند هذا الحد، بل تابع قائلاً: «كان عليَّ دين يبلغ مئة ألف ريال، وكنت أثق بالله أنه سيعينني على سداده. ورغم أني لم ألمح أي بوادر لحل الأزمة، لم أفقد الأمل أو أتوقف عن الدعاء. وفجأة، حصلت على مستحقات مالية سابقة، وفي موعد لم أكن أتوقعه، تمكنت من سداد الدين في يوم واحد».

ثم استمر في السرد قائلًا: «كنت أعاني من ضائقة مالية، وكنت مدركًا أن مواردي محدودة ولا سبيل للحصول على دخل إضافي، لكني كنت متيقناً بأن الفرج قريب. خرجت من المنزل ووقع لي حادث سير. كان الطرف الآخر هو المخطئ تمامًا، وعندما ذهبت لمراجعة مبلغ شركة التأمين، فوجئت بأن التعويض الذي حصلت عليه كان أكبر مما كنت أتوقع، فاستخدمت جزءًا منه لإصلاح السيارة، والجزء الأكبر سددت به ديني».

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي وأنا أستمع إليه، لم تكن تلك الكلمات مجرد سرد للأحداث، بل كانت تجربة حياة تعكس عمق حسن الظن بالله والتسليم له. ثم أكمل حديثه قائلًا: «وفي ليلة من الليالي، كنت أصلي في الثلث الأخير من الليل وطلبت من الله أن يفتح لي باب رزق جديدًا، ولم يكن لدي أدنى فكرة عن كيف سيحدث ذلك. لكن قبل صلاة الفجر، وقبل أن تنتهي الساعة الثانية ليلاً، وصلتني رسالة عبر (واتساب) من مسؤول يطلب مني إرسال سيرتي الذاتية، وبعد فترة قصيرة، حصلت على الوظيفة التي كنت أحلم بها».

ثم قال لي بصوت هادئ لكنه ممتلئ بالثقة: «تعلم يا صديقي، حسن الظن بالله يجعل المستحيل قريبًا وممكنًا، بل إن الله هو المدبر للأمور وسيرها».

وختم حديثه بقوله العميق: «ادعُ الله أن ترى دعاءً كان البعض يراه مستحيلًا، فتراه رأي العين وقد جعله الله واقعًا مدهشًا للناس. وليس الهدف أن يكون إعجازًا، بل أن يكون درسًا في خضم الطموح».

تعلمت من حكايته درسًا لا يُنسى: هناك فرج قد يبدو صعباً على الناس، لكنه يسير عند الله. فإذا رفعت دعاءك بإخلاصٍ إلى من خلق السماوات والأرض، فهو قادر على أن يحقق لك ما تريد. كل ما تحتاجه هو اليقين بأن الله يعلم ما هو الأفضل لك، وأن الأماني لم تُخلق عبثًا دون وجود ربها وحده.

نحن جميعًا نملك أن ندعو بوجل القلب، وأن حسن الظن بالله هو المفتاح لكل أمل. فلا تدع اليأس يتسلل إلى قلبك إذا طال الطريق، فالتأخير في تحقيق الأماني قد يكون لحكمة تزيد من إدراكك، أو لخير تفتح له أبواب لم تتوقعها من قبل.