كنت أظن في طه عبدالرحمن شيئًا من رائحة هايدجر ولهذا كتبت عنه في مقال (إحياء سيد قطب بأدوات حداثية) ما نصه: (أبهرني تمكنه اللغوي المفاهيمي الذي رغم ما فيه من أصالة معقولة لمحاولة «فلسفة إسلامية» إلا أنه ولسبب ما ظننته طالبًا غير نجيب يسير على خطى هايدجر، فكأنما الأدوات هايدجرية «مشوهة قزمة» واللسان عربي «فصيح بليغ»، لكن هايدجر أكثر قدرة وعمقا من طه إذ ينكر وجود ما يسمى «فلسفة مسيحية» ويعتبرها كتربيع الدائرة، فالفلسفة في نظر هايدجر «تتحدد بدءا من ذاتها، لا من مقدمات إيمانية» ولهذا فمهما حاولنا التناغم مع أطروحات طه ذات البعد العرفاني الصوفي «شكلًا» والأيديولوجية «مضمونا» فلن يفوتنا ما أوضحه برتراند رسل في التصوف والمنطق إذ يقول: «يمكن التوصية بالتصوف باعتباره موقفًا بإزاء الحياة، وليس كعقيدة حيال العالم»).
ثم قرأت لفهد الشقيران ما عرفني أكثر بأنماط (المتفلسفين ضد الفلسفة) في الفضاء الإسلامي، عندما أوضح في بضعة مقالات ومنها مقاله: (فرديد... الانتصار بهيدجر للجمهورية الإسلامية) أن طه عبدالرحمن انتهج نفس طريق أحمد فرديد في إشارة إلى ما تحدث عنه المفكر المرموق عبدالجبار الرفاعي في بحثه القاطع لقول كل خطيب (أحمد فرديد فيلسوف ضد الفلسفة)، حيث عنون (أحد فصول البحث بـ «غواية اللغة وإبهامها» ثم يفصل «يختبئ بعض المفكرين وراء الألفاظ، فيشتقون مصطلحات بالعودة إلى جذورها اللغوية، أو يزاوجون ويركبون مصطلحات أخرى باستعارتها من معجم تراثي، ويسقطونها على مفهوم مستعار من الفلسفة والعلوم الإنسانية الغربية الحديثة والراهنة... لعل غواية وإبهام اللغة الفرديدية تماثل غواية وإبهام لغة المفكر المغربي طه عبدالرحمن، الذي يعمد إلى نحت مصطلحات بديلة لما هو شائع ومتعارف بالعربية، فيخلع تلك المصطلحات التي صاغها في أفق فلسفة اللغة والمنطق الحديث، على محاولاته في إعادة إنتاج التراث، ويلون بها آراءه ومواقفه السلفية المغلقة، ليصطاد الكثير من الشباب الإسلاميين المسكونين بالحنين إلى الأصول») انتهى.
المفكرون الكبار (عبدالوهاب المسيري، طه عبدالرحمن، أبويعرب المرزوقي، وائل حلاق) أفكارهم خانقة ومختنقة بذاتها (رغم أهمية الاطلاع عليها) لأنها تريد منك أن تنغلق بشكل يعيدك إلى (انغلاق الصحوة وسخطها على الآخر) تريد منك أن تحول هويتك القومية والدينية إلى أيديولوجيا مغلقة تعادي العالم وتعجز عن الانفتاح عليه، ولهذا فإن النظرة المعتدلة ـ مثلًا وليس حصرا ـ التي نجدها في موقف فتحي التريكي من الحضارة الغربية مقبول ومعقول بخلاف موقف عبدالوهاب المسيري الساخط في كتاب جمعهما مع تعقيب كل منهما على أطروحة الآخر، والكتاب للمهتمين، بعنوان: (الحداثة وما بعد الحداثة للدكتور المسيري والدكتور التريكي).
وفي تعقيب التريكي على أطروحة المسيري اتفاق عام على مآلات الحداثة، ولكن ليس بالصورة (العدوانية الساخطة) التي يطرحها المسيري، وقد أظهر التريكي مبالغات ومغالطات المسيري في استخراج (يهودية صهيونية) في كل مدرسة فكرية غربية، فمآلات من يرجمون الحضارة الغربية بالحجارة للحفاظ على (الهويات المنغلقة) أن تتخمر هذه الهويات لتتحول مع التقادم إلى (الهويات القاتلة) وفق مصطلح أمين معلوف، ولهذا أجاب (فتحي التريكي) على سؤال في موقع (أروقة للثقافة الفرنسية المعاصرة) عن هذه الأزمة بالذات بقوله: (شخصيًا تفطنت لهذه المعضلة الشائكة عندما أصدرت كتابي «قراءات في فلسفة التنوع» أدافع فيه عن التوجه الاختلافي للتفلسف، إذ بدا لي بعد مناقشات عديدة وحوارات مع الزملاء والمفكرين أنه باسم حق الاختلاف الثقافي وباسم التنوع يمكن قبول ما لا يقبل منطقيًا وأخلاقيًا مثل ختان البنات ورجم النساء ـ وضربهن ـ كل ذلك يصبح مباحًا ويصبح التمترس بالهوية القاتلة ممكنًا بل حقًا من حقوق ثقافة المجموعة، ما العمل؟ هل يعني ذلك فشل فلسفة الاختلاف؟
لا أبدًا، فالنقد الموجة للعقلانية الديكارتية الذي نجده عند فوكو أو عند ميشال سار لا يعني رفض التنوير ورفض التوجه العقلي في نمط فكرنا وعملنا، فوكو كتب ودافع عن التنوير، دولوز ودريدا أيضًا ولكن من وجهة نظر أخرى) ثم شرح بإيجاز طريقتهم مما يطول نقله، ثم قال: (شخصيًا وجدت الحل في مفهوم استقيته من فلسفة الفارابي وهو مفهوم التعقلية الذي يربط العقل بالقيم دون أن يمحو التنوع والاختلاف، المهم أن يتفاعل الجميع من خلال هذه التعقلية مع قيم أساسية يتقاسمها الجميع بعد الحوار والموافقة، وهذا ما دعاني إلى الاستنجاد بحنا ارندت وبفلسفة العيش المشترك التي أنشأتها بعد الحرب العالمية الثانية، فطورت فلسفة العيش المشترك في كنف الكرامة أواخر التسعينيات....).
نعم علينا الاهتمام بكل ما يمنحنا القوة والقدرة للانفتاح على ثقافات وحضارات العالم، ونكره كل ما يؤدي بنا للتقهقر إلى عفن الانغلاق ومآلاته القاتلة، فالبكتيريا تكره الشمس ولا تنشط إلا في القبور والأماكن/العقول المغلقة.
ثم قرأت لفهد الشقيران ما عرفني أكثر بأنماط (المتفلسفين ضد الفلسفة) في الفضاء الإسلامي، عندما أوضح في بضعة مقالات ومنها مقاله: (فرديد... الانتصار بهيدجر للجمهورية الإسلامية) أن طه عبدالرحمن انتهج نفس طريق أحمد فرديد في إشارة إلى ما تحدث عنه المفكر المرموق عبدالجبار الرفاعي في بحثه القاطع لقول كل خطيب (أحمد فرديد فيلسوف ضد الفلسفة)، حيث عنون (أحد فصول البحث بـ «غواية اللغة وإبهامها» ثم يفصل «يختبئ بعض المفكرين وراء الألفاظ، فيشتقون مصطلحات بالعودة إلى جذورها اللغوية، أو يزاوجون ويركبون مصطلحات أخرى باستعارتها من معجم تراثي، ويسقطونها على مفهوم مستعار من الفلسفة والعلوم الإنسانية الغربية الحديثة والراهنة... لعل غواية وإبهام اللغة الفرديدية تماثل غواية وإبهام لغة المفكر المغربي طه عبدالرحمن، الذي يعمد إلى نحت مصطلحات بديلة لما هو شائع ومتعارف بالعربية، فيخلع تلك المصطلحات التي صاغها في أفق فلسفة اللغة والمنطق الحديث، على محاولاته في إعادة إنتاج التراث، ويلون بها آراءه ومواقفه السلفية المغلقة، ليصطاد الكثير من الشباب الإسلاميين المسكونين بالحنين إلى الأصول») انتهى.
المفكرون الكبار (عبدالوهاب المسيري، طه عبدالرحمن، أبويعرب المرزوقي، وائل حلاق) أفكارهم خانقة ومختنقة بذاتها (رغم أهمية الاطلاع عليها) لأنها تريد منك أن تنغلق بشكل يعيدك إلى (انغلاق الصحوة وسخطها على الآخر) تريد منك أن تحول هويتك القومية والدينية إلى أيديولوجيا مغلقة تعادي العالم وتعجز عن الانفتاح عليه، ولهذا فإن النظرة المعتدلة ـ مثلًا وليس حصرا ـ التي نجدها في موقف فتحي التريكي من الحضارة الغربية مقبول ومعقول بخلاف موقف عبدالوهاب المسيري الساخط في كتاب جمعهما مع تعقيب كل منهما على أطروحة الآخر، والكتاب للمهتمين، بعنوان: (الحداثة وما بعد الحداثة للدكتور المسيري والدكتور التريكي).
وفي تعقيب التريكي على أطروحة المسيري اتفاق عام على مآلات الحداثة، ولكن ليس بالصورة (العدوانية الساخطة) التي يطرحها المسيري، وقد أظهر التريكي مبالغات ومغالطات المسيري في استخراج (يهودية صهيونية) في كل مدرسة فكرية غربية، فمآلات من يرجمون الحضارة الغربية بالحجارة للحفاظ على (الهويات المنغلقة) أن تتخمر هذه الهويات لتتحول مع التقادم إلى (الهويات القاتلة) وفق مصطلح أمين معلوف، ولهذا أجاب (فتحي التريكي) على سؤال في موقع (أروقة للثقافة الفرنسية المعاصرة) عن هذه الأزمة بالذات بقوله: (شخصيًا تفطنت لهذه المعضلة الشائكة عندما أصدرت كتابي «قراءات في فلسفة التنوع» أدافع فيه عن التوجه الاختلافي للتفلسف، إذ بدا لي بعد مناقشات عديدة وحوارات مع الزملاء والمفكرين أنه باسم حق الاختلاف الثقافي وباسم التنوع يمكن قبول ما لا يقبل منطقيًا وأخلاقيًا مثل ختان البنات ورجم النساء ـ وضربهن ـ كل ذلك يصبح مباحًا ويصبح التمترس بالهوية القاتلة ممكنًا بل حقًا من حقوق ثقافة المجموعة، ما العمل؟ هل يعني ذلك فشل فلسفة الاختلاف؟
لا أبدًا، فالنقد الموجة للعقلانية الديكارتية الذي نجده عند فوكو أو عند ميشال سار لا يعني رفض التنوير ورفض التوجه العقلي في نمط فكرنا وعملنا، فوكو كتب ودافع عن التنوير، دولوز ودريدا أيضًا ولكن من وجهة نظر أخرى) ثم شرح بإيجاز طريقتهم مما يطول نقله، ثم قال: (شخصيًا وجدت الحل في مفهوم استقيته من فلسفة الفارابي وهو مفهوم التعقلية الذي يربط العقل بالقيم دون أن يمحو التنوع والاختلاف، المهم أن يتفاعل الجميع من خلال هذه التعقلية مع قيم أساسية يتقاسمها الجميع بعد الحوار والموافقة، وهذا ما دعاني إلى الاستنجاد بحنا ارندت وبفلسفة العيش المشترك التي أنشأتها بعد الحرب العالمية الثانية، فطورت فلسفة العيش المشترك في كنف الكرامة أواخر التسعينيات....).
نعم علينا الاهتمام بكل ما يمنحنا القوة والقدرة للانفتاح على ثقافات وحضارات العالم، ونكره كل ما يؤدي بنا للتقهقر إلى عفن الانغلاق ومآلاته القاتلة، فالبكتيريا تكره الشمس ولا تنشط إلا في القبور والأماكن/العقول المغلقة.